الصفحة 52 من 123

أما إبليس فكانت معصيته عن استكبار وتعالٍ على أمر العظيم الجبار، اسمع قوله تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} (صّ: 75 - 77) ،وفي سورة الأعراف {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين} (الأعراف: 12 - 13) أما في حق أبينا آدم عيه السلام فنجد أن المعصية بالأكل من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عنها بقوله: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأعراف:19) كانت من غير إصرار، ولا استكبار اسمع قوله تعالى {:وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف:22 - 23) ،هنا نجد موقف آدم موقف المنيب المستغفر {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة:37) . إن سبب طرد إبليس من الرحمة وقبول التوبة من آدم هو الاستكبار عند إبليس والإنابة في حق آدم

ومن هنا جاء حديث سيد الاستغفار يجدد مفهوم العبودية لله تطهيرا للقلب من الاستكبار على أمر الخلاق

أما المقطع الثاني من الحديث فهو توجه إلى الله تعالى بالوقاية من شر المعصية: (أعوذ بك من شر ما صنعت) ،إن من شأن الإنسان أن يتحكم بدوافعه على ضوء معرفته للنتائج، وتوضيح ذلك في قصة السدي وعمر بن عبد العزيز: (لما استلم عمر الخلافة دخل عليه سالم السدي فقال عمر: إني خائف. قال السدي: أخاف عليك ألا تخاف. قال: عظني قال: أبونا آدم خرج من الجنة بمعصية واحدة [1] .)

يا أهل الجمعة: إن المعاصي تجلب المآسي من ذلك ما ذكره القرآن: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} (النحل:112)

وتكرر هذا المعنى حتى استقر قاعدة اجتماعية"وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (الكهف:59) "

وفي الحديث"وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ" [2]

(1) : المسعودي، مروج الذهب، دار الأندلس، بيروت، ج3، ص184

(2) : سنن ابن ماجه: كتاب الفتن: باب العقوبات: برقم (4022) وهو في مسند أحمد برقم 22491، وإسناده ضعيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت