فمعركة موسى عليه السلام مع فرعون هي معركة محمد - صلى الله عليه وسلم - مع أبي جهل، هي معركة شعب فلسطين مع الفراعنة الجدد، وهي معركة الشعوب في مقاومة الاحتلال مع أبي جهل القرن، إنها معركة الإسلام في الأمس واليوم الغد، ووقودها وزادها الثقة بالله تعالى والثقة بنصره، وإن القانطين بنصر الله تعالى هم أولُ المنهزمين وأولُ الهالكين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ، رَجُلٌ نازَعَ الله عَزَّ وَجَلَّ رِدَاءَهُ فَإنَّ رِدَاءَهُ الكِبْرِيَاءُ وَإِزارُهُ العِزَّةُ، وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ الله، وَالقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله» [1] ."
كثيرون هم الذين يقولون:"إنا لمدركون"فيقدمون التنازلات وينضمون إلى صفوف المتعاونين مع الأعداء، فأين من يقف إلى صف موسى - عليه السلام -؟،فيقول {كلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} .
لقد فقه شعب فلسطين درس العاشر من محرم فأوَّبَ مع موسى {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} وجعل شعاره للأقصى ربٌ يحميه وشعبٌ يفديه، وعرف سبيل الهداية {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت: من الآية69) فرتلها ترتيلا، وأحكَمَ تنزيلها على الواقعِ تنزيلا.
حين اقتحم المجرم (غلولدشتاين) الحرمَ الإبراهيمي في الخليل وأطلق نيران رشاشه على المصلين في صلاة الفجر، كان بين المصلين المجاهد"نمرمجاهد"خرج من بيته، وودع زوجته التي كانت تنتظر مولودا خلال أيام، ولما بدأ المجرم"جولدشتاين"بإطلاق نيرانه اعتنقه نمر مجاهد جاعلا من جسده درعا لإخوانه حتى تمكن المصلون من قتل المجرم.
هذا الشهيدُ فهمَ درسَ العاشرِ من محرم استكبارًا على الظالمين، ومواجهة للطغاة.
لقد تمثل الشاعر صورة زوجة الشهيد وهي تهدد طفلها الذي ير أباه فقال على لسان الأم [2]
نمْ يا صغيري إنَّ هذا المهدَ يحرسُه الرجاء
من مُقلةٍ سهرَت لآلامٍ تثورُ مع المساء
فأصوغها لحنًا مقاطعه تأجج في الدماء
نمْ فلسوف أرضعك الجراحَ مع اللبن
حتى أنالَ على يديك منى وهبت لها الحياة
يا من رأى الدنيا ولكن لم يرَ فيها أباه
ستمرُ أعوامٌ طوالٌ في الأنينِ وفي العذاب
(1) - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند فضالة بن عبيد، ج: 7: 32 حديث (23552) .
(2) من ديوان هاشم الرفاعي