فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 52

يتسابق التجار في بيروت لاستقباله حين ينزل في الفندق الكبير. يؤجلون الصفقات والاجتماعات. تبذل الراقصات جهودًا في الميل والرفع والخفض لتفوز الواحدة منهن بإشارة أو ابتسامة من السيد أحمد. وتضحك- ناتالي- جميلة السهرة والمحظوظة في هذه الأمسية. تمسك يده بحياء مصطنع وتقوده إلى غرفة داخلية يسقط فيها الضوء بشكل موجه إلى طاولة مستديرة. يرتاح لها لأنه اعتاد على مزاحها لاحظ قلة مرونتها وبعض التجاعيد حول عينيها. إنه الزمن يأكل الصبا ويلفظ العظام لم يخذله الحظ في بداية نهايته لكنهم الأصدقاء الذين اتفقوا على أن ينفذوا حكمًا بإفقاره. ونفذت الخطة بشكل ذكي، ناتالي تلطف الجلسة. تصب الخمر في الكؤوس، تغير أشرطة الكاسيت ومن خلفه علقت مرآة خلف ستارة. في المرآة يظهر رأسه من الخلف وأوراق اللعب البلاستيكية. من عشر سنين لم يخسر سوى مرة واحدة. وهذه هي المرة الثانية. خسر كل شيء ولم يعترض لأنه يفهم قوانين اللعب.

جوزيف مالك السفينة الراسية في ميناء طرابلس يناوله مصاريف الرجوع.

-مش كل مرة بتسلم الجرة.. إنت كلمتك بالحزب وبالضيعة ما بتصير اتنين وإلك شعبية بالمدينة.. تصرّف..

تلك آخر زيارة وآخر سهرة له في بيروت باع أراضيه الخضراء حتى لم يبق عنده مسافة بساط يمدّ رجليه فوقه.

في محله الكبير الذي يملكه، أضخم محل في البازار ضغط رأسه بقبضتيه، الأفكار حين تجتمع تصبح أقسى من هذا العالم، ينقبض قلبه حين يشذ عن حركته المنتظمة، يشعر بأن الجدران التي فرغت من العلب والفساتين وزجاجات العطر النسائية كأنها القبر الذي يحويه حيًّا.

"لبس الجميع من بضائعك يا دكانًا بنيته حجرًا حجر وفي كل حجر ألف حبة عرق.. صعب أن يقتل التاجر نفسه بغبائه وبطره...".

بيع المحل بالمزاد، لم يقبض ليرة من ثمنه.

وتحت المطر الساقط كالسهام فوق ظله الممدود بأسى فوق الرصيف المبلل صار يحكي لوحده كالأبله:

-من قال إن الشوارع يشطفها ماء المطر.. الأوساخ وحدها هي التي تقرر أين تجتمع، ساخن هذا المطر...

تثاقلت الخطوات، واسترخت الركب.. استطالت أصوات أشباح في الريح وطار ورق الكينا الخريفي في حضن الريح.

زوجته الأولى مازالت مصرة على الطلاق، لن يطرق بابها، ستصرخ كما المرة السابقة وتستعيد شريط الماضي كله. خطرت له صورتها وهو يبول في الحديقة العامة.

وقف على باب الزوجة الثانية صرخ بقوة ثم بعطف وابتهال حين ردت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت