قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ ... قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (183) } و قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى ... لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) } .
قد علمنا ممّا تقدّم في هذه الآيات أن الله قد فرض على المسلمين صوم شهر رمضان، ... و قد ذكر أهل التفسير و التاريخ أن أول من صام رمضان نوح عليه السلام لما خرج من السفينة، وقد ذكر القرطبي قول مجاهد:"كتب الله رمضان على كل أمة ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم" (1) .
"والشهر يبتدئ من ظهور الهلال إلى المحاق، ثم ظهور الهلال مرة أخرى، ... وهو مشتق من الشهرة، لأن الهلال يظهر لهم فيشهرونه ليراه الناس فيثبت الشهر عندهم .. ... و رمضان مشتق من الرمضاء وهي الحرارة، لأن رمضان أول أشهر الحرارة" (2) .
وأما اقتران الشهر برمضان في هذه الآية مع أن الإيجاز وعدم ذكر الشهر كان كافيا ... و يفي بالغرض، كما بين ذلك الإمام ابن عاشور"إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم، لأنه لو قال: رمضان، لكان ظاهرا لا نصا، لا سيما مع تقدم قوله: (أياما) فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان" (3) .
و بذلك يكون وجوب الصوم على المسلمين مقترنا بحلول الوقت المحدد من السنة المسمى شهر رمضان، و التي تكفلت السنة النبوية بأحكامه و تفصيل جزئياته، فكان هديه صلى الله عليه و سلم أنه:
(1) ذكره الإمام القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن ص 271. ... (2) التحرير و التنوير لابن عاشور ص 169. ... (3) نفس المصدر ص 171.
-أنه يحرص و يجتهد و يعتني بمعرفة دخول شهر شعبان أكثر ممّا لا يجتهد في غيره من الشهور التي ليست تضاهي شهري رمضان و ذي الحجة، لاشتمالهما على عبادتي الصيام و