فأبى أن يعمل له فقال له تكره العمل وقد طلبه من كان خيرًا منك طلبه يوسف عليه السلام فقال إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة ابن أميمة وأخشى ثلاثًا واثنتين قال عمر فهلا قلت خمسًا قال أخشى أن أقول بغير علم وأقضي بغير حلم أو يضرب ظهري وينزع مالي ويشتم عرضي.
وفي استعمال عمر رضي الله عنه لأبي هريرة رضي الله عنه أبلغ رد على من زعم أن عمر وعثمان وعليًا رضي الله عنهم اتهموا أبا هريرة رضي الله عنه بالكذب لأنه لو كان متهمًا عند عمر رضي الله عنه لما استعمله فإِنه لم يكن متساهلًا في أمر الولاة بل كان بغاية الحزم والتدقيق عليهم ولم يكن يولي أحدًا من المتهمين بالكذب ولو كان أبو هريرة رضي الله عنه متهمًا بالكذب عند عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم لكانوا ينكرون توليته ويتكلمون فيه عند عمر رضي الله عنه, ولما لم يوجد منهم إنكار لتوليته دل ذلك على أنه لم يكن متهمًا عندهم.
وأما قول مصطفى الرافعي في أبي هريرة رضي الله عنه أنه أول راوية اتهم في الإِسلام.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال هذه كلمة بشعة جدًا وهي تنم عما في قلب قائلها من الغيظ على أبي هريرة رضي الله عنه والبغض له, وقد تقدم في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأبي هريرة وأمه أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم مستجاب بلا شك, ويستفاد من هذا الحديث أنه لا يبغض أبا هريرة رضي الله عنه أحد في قلبه إيمان.
الوجه الثاني أن يقال إنما يتهم أبا هريرة رضي الله عنه من أعمى الله قلوبهم من الخوارج والروافض والقدرية والمعتزلة والجهمية ومن يقلدهم ويأخذ بأقوالهم من المتقدمين والمتأخرين. ومنهم مصطفى الرافعي وأبو رية والمؤلف وكثيرون سواهم من شرار العصريين الذين قد جعلوا أبا هريرة رضي الله عنه غرضًا للطعن والتنقص, وقد تقدم قريبًا كلام ابن خزيمة في ذم المتكلمين في أبي هريرة رضي الله عنه وأنه لم يتكلم فيه إلا أهل البدع وأتباعهم فليراجع [1] .
فأما أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة العلم والهدى فلم
(1) ص: 268.