ثم جاءت الأخبار برجوع السلطان الناصر محمد وجيشِه إلى مصر ، فسأل أميرُ الشام ابنَ تيمية أن يسير إليه ، فركب الشيخ حتى وصل إلى السلطان وطلب منه النصرة ، وخوفه بالله ، وهدده بأنه إذا تأخر فإن أهل الشام سيجعلون عليهم سلطانًا غيرَه يدافع عنهم ، ثم أقام شيخ الإسلام بمصر ثمانية أيام يحث الناس على الجهاد والخروج .
فاستجاب السلطان والناس لدعوة الشيخ ، وتحرك الجيش المصري إلى الشام ، واستعد المسلمون للحرب ، ثم جاءت الأخبار بانسحاب التتار إلى العراق وكفى الله المؤمنين القتال .
ابن تيمية والتتار:
الكثير من الناس يجهل الجوانب العملية من حياة الشيخ ، فإنهم عرفوه عالمًا ومؤلفًا ومفتيًا ، من خلال مؤلفاته المنتشرة ، مع أن له مواقف مشهودة في مجالات أخرى عديدة ساهم فيها مساهمة قوية في نصرة الإسلام وعزة المسلمين فمن ذلك: جهاده بالسيف وتحريضه المسلمين على القتال ، بالقول والعمل ، فقد كان يجول بسيفه في ساحات الوغى ، مع أعظم الفرسان الشجعان ، والذين شاهدوه في القتال أثناء فتح عكا عجبوا من شجاعته وفتكه بالعدو .
والرسالة التي نقدمها اليوم هي نموذج واضح لجهاد هذا العالم الفاضل في سبيل الله تعالى ، خاصة بعد أن بدأ التخاذل من قبل المنافقين والمثبطين يسري بين الناس ، فكتب لهم هذه الرسالة ، وأشار عليهم بقتال التتار بكل قوة وحماس ، حتى قال في ذلك: (( إذا رأيتموني في ذلك الجانب( أي في جانب العدو ) وعلى رأسي مصحف فاقتلوني ))، وقدر الله تعالى أن يرد كيد التتار في ذلك العام ، فقد أرسل الله تعالى عليهم بردًا شديدًا ، فرق جموعهم ، وأهلاك أنعامهم ، ورد كيدهم عن المسلمين ، وكان ذلك سنة 699هـ .
والرسالة مذكورة في أكثر من كتاب ( مجموع الفتاوى: 28/410 - 467 ، العقود الدرية: 136- 191 ) . فأترك القارئ لكي يتدبر معانيها ، ويقف عند فوائدها وبدائعها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ