وصلت الأخبار بقدوم الجيوش المصرية إلى الشام ، فخرج بولاي ومن معه من التتار من دمشق وبقيت دمشق بلا جند ولا حرس ، فنودي في أهلها أن يخرجوا بأسلحتهم ويبيتون على الأسوار والأبواب يحرسون البلد ، فخرجوا على الأسوار ، وكان ابن تيمية يدور على الأسوار كل ليلة ، يحرض الناس على الصبر والقتال ، ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط، (هكذا يكون تفاعل الأمة المؤمنة مع الأزمات) .
ولما عادت الحياة إلى دمشق دار ابن تيمية وأصحابه على الخانات فكسروا أنية الخمر وأباريق ، ثم خرج ابن تيمية مع الأفرم نائبِ دمشق إلى بلاد جبيل وكسروان لتأديبهم على دعمهم التتار وإغارتهم على المسلمين ، فخرج رؤساؤهم إلى ابن تيمية فأظهروا الطاعة والندم ورد كل ما أخذوا .
ثم عاد الأفرم إلى دمشق وصدرت الأوامر أن يعلق الناس الأسلحة بالدكاكين، وأن يتعلموا الرمي ، فبنيت الإماجات ( وهي معسكرات التدريب ) في دمشق ، وأمر الفقهاء أن يتعلموا الرمي استعدادًا لأي ظرف طاريء ، وهكذا يجب أن تستعد الأمة في أوقات الرخاء ، حتى إذا نزلت الشدائد انبرى من أبنائها من يدافع عنها ويرد عنها كيد الأعداء .
وفي صفر سنه 700 هـ جاءت الأخبار بعودة التتار إلى بلاد الشام فاضطرب الناس وزادات أجرة النقل ، وبيعت الأمتعة والثياب بأرخص الأثمان .
وجلس ابن تيمية في مجلسه في الجامع في الثاني من صفر ، وحرض المؤمنين على القتال وبذل الأموال ، ونهاهم عن الفرار ، فسكن الناس وهدأت الأوضاع .
ثم قام ابن تيمية بأعمال جليلة في هذه الأزمة فخرج إلى نائب الشام والجيش المرابطين ، فثبتهم وطيب قلوبهم ، ووعدهم بنصر الله ، وبات عندهم ليلة ، وعاد إلى دمشق .