صائم؟ قلت: لا بأس قال: فمه" [1] ، قال الخطابي رحمه الله:"في هذا الحديث إثبات القياس والجمع بين الشيئين في الحكم الواحد لاجتماعهما في الشبه؛ لأن المضمضة بالماء ذريعة إلى نزوله إلى البطن فيفسد الصوم، كما أن القبلة ذريعة إلى الجماع المفسد للصوم فإذا كان أحدهما غير مفطر وهو المضمضة فكذا الآخر" [2] قلت: هذا القياس وإن كان في بيان ما لا يفطر فإنه أصل في إثبات الحكم للنظير بالنظير، وهو المراد [3] ."
هذا جملة ما يدور عليه كلام الفقهاء بالنسبة لضابط ما يفسد الصوم مما سوى الجماع وما يلحق به [4] ، ولئن نظرنا إلى ما هو معروف من العلوم الطبية اليوم وأعني بذلك علوم التشريح ووظائف الأعضاء على وجه الخصوص، لتبين لنا دقة نظر الفقهاء المتقدمين الذين يقول معظمهم بالفطر مما دخل مع اختلاف في مسائل جزئية بين فقيه وآخر ولكن مرد هذا الاختلاف في الحقيقة يعود إلى التخريج على هذا الضابط لا إلى الضابط نفسه، فالخلاف بين المذاهب الأربعة فيما يفطر يدور في الحقيقة حول الاختلاف في تصوير وتصور الوصول إلى أحد الجوفين - أو الباطن - مع اتفاق المذاهب الأربعة على كون مدار الإمساك هو عن الإيصال إليهما، وقد تقدم بيان ما يدل على ذلك من كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى.
ورغم أن المتأخرين متسامحون نسبيًا في مسألة المفطرات الطبية إلا أننا نجد فتواهم في كثير من الأحيان مقيدة بشروط أو قيود أو علل ترجع في حقيقتها إلى نوع مراعاة لهذا الضابط، ومن النكت الدقيقة في هذه الفتاوى المقيدة أن كثيرًا من هذه القيود أو العلل لا يمكن تحقيقها في الواقع العملي للممارسة الطبية مما يجعلها فتاوى (نظرية) لا وجود لها في الواقع في أكثر الأحيان في ممارستنا الطبية، ولسوف أضرب مثالًا واحدًا يبين هذه النقطة وهو ما يتعلق بالإبر أو الحقن الوريدية: فكثير من المعاصرين يفرق بين كون هذه الإبر مغذية أو غير مغذية فيقول بالفطر إذا كانت الإبر فيها سوائل ومواد مغذية ويقول بعدم الفطر إذا كانت مجرد دواء فقط، وعلة الفطر في الحالة الأولى لدى هؤلاء أن هذا مما يرتفق به ولأنه ملحق بالطعام والشراب رغم أنه من منفذ غير طبيعي، وعلتهم في الحالة الثانية أن هذا الدواء مما لا يرتفق به وأنه داخل عبر منفذ غير طبيعي [5] ؛ قلت: على فرض التنزل مع هذا التفريق ونحن لا نسلم به، فإن الصورة المعروضة في الحالة الثانية أعني إعطاء الدواء المجرد عبر الإبر هي صورة نظرية غير موجودة في
(1) سنن أبي داود - كتاب الصيام - باب القبلة للصائم - حديث 2385 ومعنى هششت: نشطت وارتحت، وقوله صلى الله عليه وسلم فَمَه: أي هذه بهذه
(2) المجموع شرح المهذب - كتاب الصيام - باب ما يفسد الصوم
(3) ولقد ذهب ابن تيمية رحمه الله إلى فساد قياس المسكوت عنه على المصرح به من المفطرات، في حين أن النص صريح في كون ذلك سائغًا، والله تعالى أعلم.
(4) والكلام هنا عن الداخل أما الخارج من البدن فنشير إليه لاحقًا
(5) وهذا في الحقيقة تحكم واضح يصطدم مع النصوص التي أوردناها