الصفحة 11 من 40

الناس إلى بيانها فلو كان غير الطعام والشراب والجماع مفطرًا لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحًا حتى لا تختلج عبادة الناس، والحقيقة إن هذا القول فيه نظر لأسباب (منها) أن الشريعة تنبه بالنظير على النظير ولا يلزم التصريح بكل شيء وإلا فلأي شيء رد الله تعالى الناس إلى أولي العلم الذين يستنبطون المسائل ويردونها إلى أصولها ويقيسون النظير على النظير؟ و (منها) أن الفقهاء يقولون بالفطر بأشياء لم يرد فيها نص صريح كما هو الحال في الاستمناء وإن كان النص جاء بالأصل وهو ترك الشهوة الكاملة (أي الجماع) ، و (كذلك) هنا نكتة دقيقة تمنع من تصريح الوحي بآحاد المفطرات وهي أن الشريعة لو أنها صرحت بأنواع المفطرات كلها بدلًا من الاكتفاء بالأصل العام المنبه عليها - وهو مطلق الإمساك - لاقتصرت النصوص على التصريح بما هو معروف زمن نزول الوحي من هذه المفطرات، ولتوهم من يأتي بعد أن الحكم مختص بها بدليل التصريح بآحادها وعدم الاكتفاء بالتنبيه على الأصل الجامع لها حيث كان يكفي ذلك التنبيه، وحيث إن الشريعة وُضعت لكل زمان ومكان كان لازمًا أن تأتي بأصول تحتمل كل جديد يظهر في حياتنا، فلو صرحت الشريعة زمن الوحي بأن الحقن والسعوط وغيره مما هو معروف يومها مفسد للصوم لجاء البعض اليوم وقال: لمَّا فصلت الشريعة في ذكر آحاد مفسدات الصوم ولم تذكر ما سواها دل ذلك على إرادة الاقتصار عليها، وبالتالي لا يلحق بها طرق الدخول المعاصرة كالإبر الوريدية ونحوها. وتحرير هذه النكتة قريب من قوله تعالى:"والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون" [1] فلما عددت الآية آحاد المركوبات التي أنعم الله بها على الناس جاء آخر الآية منبهًا على عدم إرادة الاقتصار عليها ولم يكن ممكنًا التصريح بالطائرات والسيارات والدراجات مما لم يوجد بعد فجاء بأصل عام هو:"ويخلق ما لا تعلمون"، وكذلك الحال هنا حيث إن التصريح بآحاد المفطرات الطبية في نصوص الوحي لا بد من أن يقتصر على ما هو معروف زمن الوحي وإن الاقتصار عليه يوهم عدم إرادة غيره، وعليه فإن عدم التصريح بآحاد المفطرات الطبية المعروفة زمن الوحي يفيد عدم إرادة الاقتصار عليها وأن كل ما يستجد في المستقبل من علاجات أو وسائل طبية ينبغي قياسه على الأصل الوارد بالوحي، والله تعالى أعلم. وأصرح من ذلك كله القاعدة العامة في أن الشريعة تنبه بالنظير على النظير وقد ورد ذلك صريحًا في باب الصوم في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هشِشت فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبَّلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت

(1) سورة النحل - 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت