الصفحة 10 من 40

أن وصول قطرات الماء عبر الأنف إلى الحلق يؤثر في الصوم، والأنف ليس منفذًا معتادًا فلا أحد يأكل أو يشرب من أنفه، فدل هذا الحديث بمفهومه على أن ما دخل الجوف من منفذ غير المعتاد يؤثر في صحة الصوم. كما أن دليل العقل يعكر على هذا الضابط فاليوم مثلًا لو أن مريضًا فتحت له فتحة صناعية مباشرة إلى المعدة بحيث يصل أنبوب معدي من خارج الجسم إلى المعدة مباشرة ثم أعطي غذاءً عن طريقه فهذا الدخول يتم عبر منفذ غير معتاد وفي النفس شيء غير يسير من القول بعدم فطر هذا، بل أي شيء يكون الفطر غير هذا؟ وهذا قوي جدًا في بيان عدم اعتبار اعتياد المنفذ ضابطًا والله أعلم.

2 -اعتبار الارتفاق (الاغتذاء) : فكل داخلٍ مما يرتفق به الجسم ويعتبر مغذيًا للجسم مع العمد والذِكر يؤدي إلى الفطر، والمقصود هنا التفريق بين المغذي وغير المغذي وأصحاب هذا القول يرون أن ما دخل الجوف من المغذيات يفطر بغض النظر عن المنفذ، وأن ما لا يعتبر مغذيًا ولا يرتفق به البدن فلا يعتبر مفطرًا، ويعكر على هذا الضابط أمور: (منها) حديث لقيط بن صبرة المتقدم فإن القطرات اليسيرة من الماء لا يُتغذى بها ومع ذلك اعتبرت مفطرة إذا وصلت الجوف، و (منها) اتفاق الفقهاء على أنه لو قاء أو استقاء ثم تعمد ابتلاع ما قاءه فإنه يفطر مع أن هذا القيء لا يُتغذى به ولا يُرتفق به بل هو نجس، و (منها) أن ممن يقول بهذا الضابط من يفرق بين دخول غير المغذي عبر المنفذ المعتاد أو غيره فيفطر بالأول دون الثاني وهذا التفريق تحكُّم يفتقر إلى دليل. والخلاصة أن مسألة الارتفاق غير معتبرة والله أعلم.

3 -اعتبار مطلق الدخول: فكل ما دخل الجسم مع العمد والذِكر يؤدي إلى الفطر، وهذا يعتبر أن الفطر يحصل بوصول أي شيء إلى الجوف (أو الباطن بتعبير أدق) بغض النظر عن المنفذ والارتفاق كما هو ظاهر من حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه، وهو أيضًا نصٌ عن ابن عباس رضي الله عنه ذكره البخاري رحمه الله معلقًا تعليقًا جازمًا في معرض جواب ابن عباس عن الفطر بالحجامة فقال:"الصوم مما دخل وليس مما خرج" [1] (وهذا القول بعدم الفطر بالحجامة هو مذهب الشافعية والحنفية والمالكية خلافًا للحنابلة [2] رحمة الله على الجميع) ، وإن هذا الضابط هو ما تطمئن النفس إلى صحته ورجحانه والله أعلم.

4 -اعتبار منطوق النصوص الشرعية الصحيحة فحسب: فكل ما ورد به النص الشرعي صريحًا مما يؤدي إلى الفطر حكم به وما عدا ذلك مما سكت عنه النص لا يؤدي إلى الفطر وهو رأي ابن تيمية رحمه الله، وحجة هذا القول [3] أن الصيام من العبادات الركنية التي يحتاج

(1) صحيح البخاري - كتاب الصوم - باب الحجامة والقيء للصائم

(2) المغني - ابن قدامة - 4/ 168، والفقه الإسلامي وأدلته - الدكتور وهبة الزحيلي - 1710 - 1733

(3) انتصر لهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى، وذهب مذهبه بعض الفقهاء المعاصرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت