وقد نسبت لهجة القصر إلى القحطانيين ومنهم بنو الحارث بن كعب وخثعم وزُبيد، وقد وردت أصداء لهذه اللهجة في قبائل الشمال، وعليها خُرِّج قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (ما صنع أبا جهل) وقول أبي حنيفة (لا قَوَدَ في مثقل ولو ضربه أبا قُبيس) (1) .
ومن خلال كلامه عن الظواهر اللهجية في إعراب المثنى نخلص إلى أن في إعراب المثنى ثلاث لهجات تمثل ثلاث قواعد نحوية سائدة بشكل متفاوت كثرة وقلة في القبائل العربية، وهي:
ـ الأولى: لهجة تعربه بالحروف، وهي أكثرها شهرة وانتشارا بين معظم القبائل العربية، لاسيما القبائل الحجازية والتميمية، وبها نزل القرآن في قراءاته المتواترة.
ـ الثانية: لهجة تلزمه الألف في جميع الأحوال رفعا ونصبا وجرا، وهذه تتوسط الشهرة والانتشار ما بين الأولى والثالثة، وبها قرئ القرآن في بعض الشواذ.
ـ الثالثة: لهجة تعربه بالحركات على النون، وقيل: الحركات مقدرة على الحرف الأخير من المفرد، وهذه أقلها شيوعا وشهرة، وليس لها مثال في القرآن الكريم، لكن قد يلجأ إليها شاعر في قصيدة ما؛ ومن ثم فاحتفاظ المصادر القديمة بمثل هذه اللهجة ميزة وإضافة إلى جهد النحاة واللغويين.
ولعل إثبات النحاة لهذه اللهجة الأخيرة يعضد رؤية د/حسن عون بأن الإعراب بالحركات أسبق طورا من الإعراب بالحروف اعتمادا على نظرية (البسيط يسبق المركب) ، وعلى قول النحاة بأن الإعراب بالحروف إنما هو نيابة عن الحركات (2) .
(1) انظر: شرح ابن عقيل هامش 1/52 وداود سلوم: اللهجات العربية القديمة 34
(2) انظر: د.عبده الراجحي: اللهجات العربية 184 نقلا عن د.حسن عون: اللغة والنحو 83 وانظر: د.محمد حماسة عبداللطيف: العلامة الإعرابية150 وما بعدها (نقلا عن المرجع نفسه) ، ولم يرتض د.حماسة رأي د.عون، وذهب إلى أن كل العلامات الإعرابية أصلية. وهو رأي وجيه.