(جهاد دائم) : ومن جهة أخرى فإن عمر لم يدع للعرب في مدته فرصة تمكنهم من الإخلاد إلى الراحة، والإيواء إلى ظل النعم، والسكون تحت كنف الأمصار، والتبسيط في نعيم الحياة وزخرف العيش، بل دفع بهم في معترك الحياة الحضرية، وزج بهم في معترك الحروب في وقت واحد، وكانت الحروب أكبر همهم، والتغلب على العدو آثر شيء لديهم، فشغلهم عن النعيم والرفاهة بالفتوح، وألهاهم بادخار الغنائم عن التمتع بها، وأرجأوا ذلك ريثما يفلوا من غرب الدول المجاورة لهم، ويأمنوا غائلة الأمم المغلوبة وانتقاضها عليهم.
(اتسمت الأمة بالوحدة القوية) : استفاد العرب من هذه السياسة العمرية في أحوالهم الاجتماعية فلم يسمع في زمنه ناعق بفرقة، ولا صائح بانقسام، ولا داع إلى تنافر وتدابر، ولا هاتف بعصبية، بل كان جزاء من يفعل ذلك الضرب بالسيف- ولكن اندفاع القوم إلى الفتوح وتفريقهم في أنحاء الممالك وتعجلهم الظهور قبل تأصل الدين والملك- ومن ذلك عدم الإجهاز على الوثنية، ومحو أثرها من البلدان المفتتحة، مع دخول كثير من أهلها في الإسلام، فأخفت هذه الآثار حينا ثم بدأت تظهر كرة ثانية مصطبغة بصبغة أخرى، نتج عنها تفرق أهواء المسلمين وظهور البدع والمبتدعين، وبخاصة بين الأعاجم من المسلمين أو الذين ظهروا بمظهر الإسلام واتسموا بسمته.
(ربما تأخرت حضريا لكنها تقدمت جهاديا) : ومن المعلوم أن الإسلام طم على البلاد بسرعة مدهشة فائقة الوصف، والشيء إذا سار بسرعة لم يكن طروء الخطأ والفساد فيه مأمونا، كما لو ضاعت النار بشيء تريد نضجه فإنه وإن نضج ظاهره في وقت قريب فإن باطنه لم يزل فجا لا أثر للنضج فيه، ولهذا كانت سرعة تأخر الأمة العربية في الحضارة والرقي بمقدار تقدمها في ذلك وسرعة فتحها للبلاد [1] .
* تعليق:
لعلي بعرض أحوال الأمة على عهد عمر رضي الله عنه قد استطعت أن أضع أمام القارئ الكريم صورة حية لسياسة الخليفة الثاني وكيف أصبحت الأمة متسعة الأرجاء
(1) النجار: الخلفاء الراشدون 257 - 261 بتصرف.