الصفحة 35 من 108

(مولد النظام الإداري الإسلامي) : خالط العرب هذه الأمم ودان لهم ذلك الملك العريض، ورأوا أبهة الحضارة فأشعرت قلوبهم لزوم الحياة المدنية سوى للأمم الغالبة كما هي سنة الوجود، وليس في أيديهم من أدوات تلك الحياة سوى الاستعداد الفطري لقبول الخير والشر، والشرع الإلهي الذي أطلق عقولهم من أسر التقليد، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، فأخذوا بحكم الطبيعة يقلدون مجاوريهم في العادات وبدأوا يبارونهم في مضمار الحياة، وكان أول شيء طمحت نفوسهم إليه تقليد مجاوريهم في فنون القتال، ومحاذاة الروم وفارس في استصناع الآلات الحربية ليقابلوا القوة بمثلها، ويعدوا للفتوح عدتها، ثم تطرقوا إلى الأمور السياسية والإدارية يحتذون مثالهم فيها، ويترسمون خطواتهم في العمل بها، فوضع عمر التاريخ، ودون الدواوين على نحو ما كان موجودا عند الدولتين: الفارسية والرومية، ثم أقبل على ترتيب الولايات وتقسيم الأعمال وانتقاء العمال، وفرض العطاء وقرر مصرف الفيء في غير سرف ولا قتر [1] ، ونشر جناح الأمن، وأقام ميزان العدل، وقرر أصول الجباية بلا إجحاف في حقوق الرعية ولا غبن على الدولة، فعم الرخاء وبدات مظاهر العمران في أنحاء المملكة، وانهال الغنى والثروة على الفاتحين، وخطوا خطى خفبفة إلى الراحة والنعيم؛ مع الأخذ على الشكائم، والتخويش بعض الشيء في المأكل والملبس، والتوسط في العيش، والقصد في الإنفاق، وعدم التبسط في البذل خوف الأخذ على أيديهم من عمر، كما يتبن ذلك من صنعه مع خالد [2] إذا أعطى الأشعث بن قيس [3] عشرة آلاف، فكان ذلك سببا لاعتقاله بفضل عمامته وتقريره عن الدراهم التي أجاز بها؛ أمن إصابة أم من ماله وعزله على كل حال إذ أقامه عمر بين الخيانة والإسراف وكل لا خير فيه.

(1) قتر: بخل وضيق على من حوله في النفقة - المعجم الوسيط 2/ 714

(2) خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أحد أشراف قريش في الجاهلية، كانت هجرته وإسلامه بعد الحديبية وقبل خيبر، لم يصح له مشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة، كان على مقدمة الجيش النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، له أثر مشهور في قثتال الفرس والروم، وافتتح دمشق. توفي في خلافة عمر بن الخطاب واختلف في موضع وفاته قيل: بحمص وقيل بالمدينة. ابن الأثير: أسد الغابة 2/ 109 - 112.

(3) الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية الكندي، أسلم سنة عشر من الهجرة، شهد الأشعث اليرموك والقادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، سكن الكوفة، وشهد صفين مع علي. توفي سنة 42هـ. وقيل سنة 40هـ ابن الأثير: أسد الغابة 1/ 118، 119,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت