فإن خلا عن ذلك كله فهو لتعادل النظرين وهذا يدل على سعة العلم أولًا كما يدل على هيمنة الورع حذرًا من الترجيح من غير اتضاح دليل. وزعم قوم أن صدور قولين في مسألة واحدة لا يجوز وهذا غلط؛ فإن الإجماع على جوازه وقد وقع من الصحابة فَمَنْ بعدهم وقد وقع ذلك للشافعي في ثمانية عشر موضعًا. ولقد نقل القرافي المالكي في كتابه الفروق أن الإجماع منعقد على تخيير المقلد بين قولي إمامه أي: على جهة البدل لا على جهة الجمع وذلك إذا لم يظهر ترجيح أحدهما فمثلًا من أداه اجتهاده إلى تساوي جهتين فله أن يصلي إلى أيتهما شاء إجماعًا. ولكن يمتنع ذلك إذا كان في حكمين متضادين كإيجاب وتحريم. ويجوز تقليد الأئمة الأربعة مالم يلزم من ذلك تلفيق لم يقل به واحد منهم كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة أو أن يأخذ هو بشفعة الجوار تقليدًا لأبي حنيفة فإذا استحقت عليه تركها وقلد الشافعي ولذا قال ابن الصلاح رحمه الله: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة أي في قضاء أو إفتاء ومحل ذلك وغيره من سائر صور التقليد ما لم يتتبع الرخص بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه وإلا أثم به بل قيل فسق وهو وجيه هذا إذا تتبعها من المذاهب الأربعة المدونة وإلا فسق قطعًا.
فالأقوال إذن هي أقوال الإمام في القديم أو الجديد أو القديم والجديد معًا وقد يرجِّح بينهما وقد لا يرجِّح.
(والوجهين) أي وبيان الوجهين أو الأوجه: وهي أقوال أصحاب الشافعي التي خرجوها على قواعده ونصوصه وقد يجتهدون في مسائل من غير أخذ عن أصوله فلا تسمى وجهًا كما فعل المزني وأبو ثور فتنسب هذه المسائل إليهم ولا تعد وجوهًا في المذهب.
(والطريقين) أي: وبيان الطريقين أو الطرق وهو اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب فيحكي بعضهم نصين أو نصوصًا ويحكي بعضهم نصوصًا مغايرة كأن يقول أحدهم: في المسألة قولان أو وجهان فيقول الآخر: بل قول واحد أو وجه واحد أو يقول أحدهم: في المسألة تفصيل فيقول الآخر: بل فيها خلاف مطلق.