فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 451

الذين يغزون كرة بعد كرة، ولا يتوقفون عن الغزو.

وإذا جاءك مَن يأمرك بالمعروف، فاقبَل منه، ووضِّح عذرك - إن كان لك عذر - فقد وعظ سالم بن عبدالله شابًّا مسترخي الإزار، فقال: (ارفع إزارك) ، فأخذ الشاب (يعتذر فقال: إنه استرخى، وإنه من كتَّان) [1] ، وبذلك بيَّن أنه لم يُرخِه كبرًا، وإنما استرخى بنفسه؛ بسبب طبيعة قماشه، وهذا شأن المسلم في دفع سوء الظن، وإثبات براءته - حين يكون بريئًا بحق.

ومما ورد بهذا المعنى: أن أناسًا من الأشعريين طلبوا من أبي موسى الأشعري مرافقتهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن يعلم ماذا يريدون، وإذا بهم جاؤوا يطلبون التولية على أعمال المسلمين، فظهر أبو موسى وكأنه جاء يشفع لمن طلب الإمارة، فشعر بالحرج الشديد، قال: (فاعتذرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعذرني) [2] .

وكان هذا الخلق صفة مميزة لمجتمع الصحابة رضي الله عنهم، يروي أحمد: أن عثمان بن عفان جاء يعتب على ابن مسعود في أمور سمعها عنه، فقال: (هل أنت مُنْتهٍ عمَّا بلغني عنك؟ فاعتذر بعض ... العذر) [3] . ويمكن أن يكون الاعتذار دفعًا لاعتراض، أو إزالة لشبهة قد تثور، وما أعظم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب! حين جاء يوم الجابية يوضح للناس أسباب عزل خالد بن الوليد، فقال: (وإني

(1) مسند أحمد 2/ 390.

(2) مسند أحمد 4/ 417 - وفي صحيح سنن النسائي 3/ 1089 - الحديث 4975 (صحيح) .

(3) مسند أحمد 1/ 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت