2 -واعلم يقينًا أنّ صيام شهر رمضان من الأسس الخمس التي بُنِيَ عليها الإسلام، فكن مؤمنًا بذلك، عالمًًا بأهمية صيام، وبمكانته في هذا الدين (الإسلام) ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر - رضي الله عنه: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) رواه الشيخان.
3 -وتيقّنْ أيها المسلم أنّ في صومك شهر رمضان مصلحة لك؛ لأنّ الذي فرضه هو الله، الذي يعلم ما يصلحُ لخلقه، كما قال تعالى: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير} [الملك: 14] .
4 -وإذا صمت فاحتسب ثوابك عند الله، ولا تبحث عن شيءٍ آخر غير ثواب صومك عند ربك، فلا تكن ممن يصوم ونيَِّته بصومه الحِميَة من الأمراض، أو يطلب بصومه التَّداوي من مرضٍ قد أصابه، أو يُريد بصومه تخفيف وزنه، أو يريد بصومه تخفيف شهوته فقط، ولا يُريد ثوابًًا عند الله، وقد قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16] . فجرِّد نيّتك بصومك أنّك لا تريد إلا وجه الله والدار الآخرة، وأنّك مُمتثلٌ لأمرِ الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -"سمعنا وأطعنا".
5 -وإذا احتسبت ثواب صومك عند ربك الذي لا يجزي على الصوم إلا هو سبحانه، فتطلَّب بصومك أعلى درجات الكمال في العناية بصومك، في النيَّة والاحتساب، والبُعد عن كلِّ ما يُؤثرُ في صومك، في بطلانه أو في ثوابه، وفي كماله، واجعل نصب عينيك قوله - صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) رواه الشيخان.
6 -إذا صمت أيها المسلم، فليكن على بالك وفي ذهنك وقلبك إرادة وجه الله (فقط) ، مُتأمّلًا قوله تعالى في الحديث: (إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي) ، وأنّك إذا حقَّقت صيام شهر رمضان إيمانًا واحتسابًًا تحقّقَ لك غفران ذنوبك المتقدمة بفضل الله ورحمته (صغائر الذنوب) ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) رواه الشيخان. ولكن عليك أن تجتنب كبائر الذنوب، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: ... (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) رواه مسلم وغيره. والله الموفق.
الدرس السادس
الحكمة من صيام رمضان
الحمد لله وحده، والصّلاة والسّلام على من لا نبيَّ بعده، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، وبعد:
فإنّ ما شرعه الله تعالى لعبادة من العبادات إنما ذلك لحكمةٍ تامةٍ بالغةٍ، فالله الحكيم العليم في خلقة وشرعة وجزائه، ومن تلك العبادات الصيام فله حكمةٌ كبيرةٌ منها:
1 -إن الصيام عبادةٌ لله تعالى، فيتقرب العبد إلى ربه بترك محبوبات نفسه ومشتهياتها من الطعام والشراب والنكاح، ويظهر بذلك صدق إيمان العبد، وكمال عبوديته لربه، ومحبته له، ورجائه ثواب الله؛ لان العبد لا يترك ما يحبه إلّا لما هو أعظم عنده منه، فكن - أيها المسلم - ممن صام راغبًا فيما عند الله، مُتذللا له بهذه العبادة.
2 -ومن حكم الصيام: أن يحقق العبد تقوى الله، كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] . وهذا إنما هو الصيام الشرعي الذي حافظ صاحبه عليه من المفطِّرات، ومن قول الزور والعمل به، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رواه البخاري. اجتهد إن تصوم صومًا صحيحًا نقيًّا من الشوائب والشبهات.