وهذا المعنى جاء عند الدرامي، وابن ماجه، من حديث ثوبان رضي الله عنه [1] ، وجاء عند أحمد من حديث جابر رضي الله عنه [2] ، وعند البزار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وكل هذه الأحاديث تدل على مشروعية صيام الست من شوال، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب الجماهير، خلافًا لمالك -رحمه الله -.
وإنما كان صيام الست من شوال مع صيام رمضان كصيام الدهر؛ لأن رمضان عن عشرة أشهر؛ حيث إن الحسنة بعشر أمثالها، وعشرة أشهر مع شهرين حولٌ كامل، وتستحب المبادرة بصيام الست من شوال، بحيث يبدأ بها من اليوم الثاني من الشهر، ولا حرج في عدم المبادرة، فلو أخَّرها إلى وسط الشهر أو آخره فلا بأس. ولا يصومها من كان عليه قضاء من رمضان حتى ينهي ذلك القضاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال" [3] وهذا معناه أن صيام الست من شوال إنما يكون بعد إنهاء صوم رمضان كله.
وختامًا أنبه إلى أن بعض الناس يسمون اليوم الثامن من شوال"عيد الأبرار"، وهذه بدعة باطلة منكرة، فإن أعياد المسلمين اثنان لا ثالث لهما -كما تقدم-.
الوقفة الثامنة والعشرون
مع صيام النفل
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال: لا يفطر. ويفطر حتى يقال: لا يصوم. ولم يعلم عنه أنه صام شهرًا كاملًا غير رمضان، إلا شعبان فإنه كان يصوم أكثره، بل كله [4] .
وكان صلى الله عليه وسلم يتعاهد صيام يومي الاثنين والخميس [5] ، وأيام البِيْض، بل جاء عنه في حديث -وإن كان فيه ضعف- أنه كان لا يترك صيام أيام البيض في حضر ولا سفر [6] ، وكان يأمر بصيامها ويحث عليه، فقد أوصى أبا هريرة رضي الله عنه بثلاث: منها صيام ثلاثة أيام من كل شهر [7] . كما أوصى أبا ذر رضي الله عنه بذلك [8] .
وَأَذِنَ لعبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا [9] . ونهى عن صيام الدهر فقال:"من صام الدهر لا صام ولا أفطر" [10] ، وقال:"لا صام من صام الأبد" [11] قالها مرتين. وقال:"من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم هكذا" [12] .
وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن صوم يوم عرفة لغير الحاج:"صيام يوم عرفة أَحتسِبُ على الله أن يكفَّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده" [13] . وأما الحاج فإنه يكره له أن يصوم ذلك اليوم، ففي الصحيحين أنه كان مفطرًا يوم عرفة وهو حاج [14] .
(1) أخرج أحمد (21906) ، والدارمي (1755) ، وابن ماجه (1715) من حديث ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال"من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها".
(2) أخرجه أحمد (13890) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من صام رمضان وستا من شوال فكأنما صام السنة كلها"في إسناده عمرو بن جابر الحضرمي وهو ضعيف.
(3) تقدم تخريجه ص55.
(4) انظر البخاري (1969) ، ومسلم (1156 - 1157) .
(5) أخرج الترمذي (745) ، والنسائي (2186) ، وابن ماجه (1739) عن ربيعة الجرشي أنه سأل عائشة عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يتحرى صيام الاثنين والخميس. قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
(6) أخرجه النسائي (2345) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، في إسناده جعفر بن أبي المغيرة، قال الحافظ في التقريب: صدوق يهم، وقال ابن منده: ليس بالقوي في سعيد بن جبير.
(7) أخرجه البخاري (1981) ، ومسلم (721) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(8) أخرجه النسائي (2404) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وإسناده صحيح.
(9) رواه البخاري (1978) ومسلم (1159) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(10) أخرجه أحمد (15880) ، والنسائي (2380) ، وابن ماجه (1705) من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه، وإسناده صحيح.
(11) أخرجه البخاري (1977) ومسلم (1159) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.
(12) أخرجه الطيالسي (513) ، وابن أبي شيبة (9553) ، وأحمد (19214) ، والروياني (561) ، وابن خزيمة (2154) ، وابن حبان (3584) ، والبزار (3062) ، والطبراني في الأوسط (2562) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 193) : رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. اهـ وقد اختلف في وقفه ورفعه.
(13) أخرجه مسلم (1162) من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.
(14) البخاري (1658) ، ومسلم (1123) من حديث أم الفضل الهلالية رضي الله عنها.