طويل بلغ أوله «بوّابة الله» [1] في آخر «الميدان» جنوبي البلد وآخره لا يزال في «باب الجابية» ، حتى لقد ظننت أنها لم تبقَ في دمشق سيارة لم تمشِ معنا. وكان مشهد ظلّ يذكره ويحدّث به من كان رآه سنين وأعوامًا.
وقف الموكب ظاهر دمشق حول قبة العسالي وقد ملأ الناس الساحة على رحبها، وقام الخطباء يخطبون، وقمت أنا أشكرهم باسم الوفد وأودّعهم وأشرح مقاصد الرحلة. وكانت الشمس قد جنحت إلى المغيب فزاد شحوبها الموكب رهبة وجلالًا، وأقبل كلّ من المودّعين على ذويه يودّعهم، فلم تكن ترى إلاّ العناق والتقبيل والدموع التي تسيل.
ورقّت نفسي رِقّة شديدة. وحين ترقّ النفس ويحضر القلب ينطلق اللسان بما لا عهد لصاحبه به، وألقيت على الناس كلمة لو سُئلت ماذا قلت فيها لما دريت، لأني لم أُلقِ كلامًا أدبيًا من طرف اللسان بل قولًا روحانيًا من أعماق الجنان.
وقد وقع لي مثل هذا مرّات سأذكرها تحدّثًا بنعمة الله، منها: يوم اجتمع علماء سوريا كلها وقابلوا (أيام الوحدة مع مصر) كمال الدين حسين، وشرّفوني فكلّفوني الكلام عنهم. ويوم انقطع
(1) يلفظها العامة «بابْطَالله» ، ويُسمّى هذا الموضع أيضًا «باب مصر» . وليس في المكان باب من أبواب دمشق حقيقة، بل هي تسمية مجازية للنهاية الجنوبية لحي الميدان من حيث يفارق المرءُ دمشقَ من الجنوب (أو هكذا كان) ، وسُمّي كذلك تيمّنًا بسفر الحُجّاج من هذا الموضع إلى الحج (مجاهد) .