الوظيفة أسهل من الإخلاف، ومع مَن؟ مع نَجدي سَلَفيّ لا يعرف من كلمة «نعم» إلاّ أنها وعد مُبرَم لا يحلّه إلاّ الموت، فقلت له: أنا حاضر.
ويسّر الله فسمحَت لي الوزارة بالسفر، وأعددت الجواز وكان أمر استخراجه سهلًا، وحُدّد موعد المسير، وكان بعد عشرة أيام. هل تدرون لماذا أجّلوه عشرة أيام؟ كان ذلك لسبب لا يخطر لكم على بال؛ هو أن تطول لحاهم ليذهبوا إلى مكّة بلحى مُعفاة لا بذقون محلوقة، لأنهم سمعوا أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر تمسك من كان حليق الوجه! لهذا أعفوها، أو أعفاها أكثرهم. لا اتّباعًا لسنّة رسول الله فقط، بل لأنهم سمعوا أيضًا أن الرجل هناك بلحيته، فمن كان أطولَ لحية كان أعلى قدرًا!
وجاء الموعد ولم يكن سفر، فضاقوا ذَرعًا باللحى التي ربّوها لغير الله، واستحيوا أن يواجهوا بها الناس وضنّوا بها أن يحلقوها بعدما ربّوها. وكان موعد جديد، وجاءنا الأهل والإخوان مودّعين، وأعددنا الحقائب وقلنا: الرحيل غدًا، ولكن جاء الغد ولم نرحل. وتكررت القصّة ستّ مرّات حتى مللنا وملّ المودّعون، وقلّ اهتمامنا بالرحلة واهتمام إخواننا وأهلينا بنا، ثم جاؤوا فقالوا: هذه الحاسمة، السفر بعد غد فهاتوا ثقلكم. وأخذوا الثقل فبيّتوه في المرأب (الكاراج) ، وذهبنا نبيت في بيوتنا على أن نوافي المرأب الفجر.
صلّينا الفجر وجعلنا ننتظر حتى طلعت الشمس، وكان الضحى، وأذّن الظهر، وكان العصر، وهممنا بالانصراف ولكن