من الهولنديين، وعجزت عنه جيوش هولندا في المستعمرات فاستنجدوا بأوربا، فأنجدتهم بقوّة هائلة كسرها كلها، فأثاروا عليه الناس وجعلوا لمن جاء به حيًا أو ميتًا مكافأة ضخمة، فما نفعهم ذلك شيئًا لالتفاف الناس حوله وتعلّقهم به، برغم أن أكثر الزعماء كانوا مع المستعمر.
فلما ضاقت بهم السبل عمدوا إلى الغدر، فأعلنوا الرغبة في الاستجابة لمطالب الأمير ودعوه إلى المفاوضة، فلما جاء في شهر رمضان (8 شباط 1830) قبضوا عليه وأسروه. ولم يكونوا كرامًا في أسرهم ولا نبلاء في ظفرهم، وأي نبل من غادر؟ فلم يرضوا منه بما عرضه عليهم من الانقطاع للعلم والتعليم، ونفوه إلى أقصى الجزر فبقي فيها سجينًا منفيًا إلى 8 شباط 1855، أي ربع قرن كامل لا ينقص يومًا ولا يزيد يومًا.
وكان في شبابه وفي كهولته وفي مُلكه وفي سجنه مثلًا كاملًا للعالِم العامل والمسلم الكامل، وكان يبدأ بنفسه وأهله في كل خير يدعو إليه؛ لمّا خرج إلى الجهاد قال لزوجته: اذهبي على بركة الله وفرّقي كل ما نملك في أسر المجاهدين. فأطاعت المرأة الوفية الديّنة أمر زوجها، وبدأت بحليّها فقسمتها في زوجات المجاهدين.
ولمّا خرج أحرق الهولنديون داره، فرآها من بعيد تتوهج نارُها تأكل ماله وفرشه وكتبه، فقال لعمّه: انظر يا عمّ، إن منزلنا يحترق. لم يبقَ لنا على ظهر الأرض منزل، فلنتّخذ منزلًا في الجنّة.