ولكن أخفيت وجهي من الناس وكأنني أحدثت حدثًا أو اجترحت ذنبًا! وسَمّيتها عنان، واحتفل بها الأصدقاء والإخوان، ولمّا بلغ عمرها أربعين يومًا أقنعني صديقي وأستاذي القديم حسني كنعان بأن أحتفل بها.
وكان الموسيقيون جميعًا أصدقاءه وإخوانه، فاجتمع في دارنا الأصحاب والأقرباء ورجال «التخت العربي» ، وعلى رأسهم علي الكردي، أبو عِزّة، الذي كان يحفظ كل أغنية لقدماء المغنّين في مصر وفي حلب وكل موشحة عرفها الناس، وجاوزَت سنّه الثمانين وصوتُه عذب طريّ رحمه الله. وتوفيق الصباغ الذي كان رفيق سامي الشوّا وأشدّ منه عبقرية في الفنّ، وإن كان سامي أكثر التزامًا لحدوده واتّباعًا لطريقه. والصبّاغ هو الذي جاء بالبدعة التي لا نزال نسمعها من بعض الإذاعات العربية، وهي أداء نغمة الأذان على القيثارة (الكمنجة) . وموسيقيّ تركي عجوز اسمه تحسين بك ينفخ في الناي، يستمرّ الصوت خارجًا منها عشر دقائق لا ينقطع ولا يتوقف، لأنه يتنفس من غير أن يقطع نغمته، وهذه براعة لم أرَها في غيره. وفؤاد محفوظ، أستاذ العود. وأنا أرى الآن هذه الحفلة حماقة من حماقات الصّبا، ندمت علها ولا أنوي أن أعود يومًا إلى مثلها.
وولدت بعدها بسنتين بنان، اللهم ارحمها. وهذه أول مرّة أو الثانية التي أقول فيها «اللهمّ ارحمها» ، وإني لأرجو الرحمة لها ولكني لا أستطيع أن أتصور موتها! ولم أتألّم لأنها جاءت بنتًا كما تألّمت للبنت الأولى، لأنني رجعت لعقلي وذكرت بشارة رسول الله عليه الصلاة والسلام لمن ربّى ثلاث بنات أو أخوات أو بنتين