يمكن القول: إن الخلاف في هذه المسألة قديمًا وحديثًا إنما يعود في أساسه إلى الاختلاف في تعريف الضرورة .. فالجمهور يرى دخول ال ضرورة غير أن ابن مالك ولأنه يختلف معهم في تعريف الضرورة يرى أنها ليست كذلك ، فالضرورة عنده: ما يضطر الشاعر إليه ولم يجد عنه مخلصًا (( 98 ) )، فالشاعر عنده هنا متمكنٌ من أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته (( 99 ) )، والتمكن من قول هذا حجةُ من وافق ابن مالك في رأيه قديمًا وحديثًا محتجين بأن رأي سيبويه في الضرورة قريبٌ مما ذهبوا إليه ، فهو لا يرى الضرورة إلا ما لم يكن للشاعر عنه مندوحةٌ في إقامة الوزن وإصلاح القافية (( 100 ) )، قال البغدادي: ( وظاهر كلام سيبويه أن الضرورة ما ليس للشاعر عنه فسحة ) (( 101 ) )، ونقل ايضًا عن ابن خلف قوله: ( وقال ابن خلف: هذا البيت أنشده سيبويه في باب الضرورات، وليس يجب أن يكون من باب الضرورات، لأنه لو أنشد بحذف الياء لم ينكسر، وإنما موضع الضرورة ما لا يجد الشاعر منه بدًا في إثباته، ولا يقدر على حذفه لئلا ينكسر الشعر.... ولا يخفى أن ما فسر به الضرورة مذهبٌ مرجوح مردود. والتحقيق عند المحققين: أنها ما وقع في الشعر، سواءٌ كان للشاعر عنه مندوحةٌ أم لا ) (( 102 ) )، وقد نقل مثل ذلك عن ابن الملا إذ قال: (وقوله: أصابهم الحما، بكسر الحاء أصله: الحمام، وهو الموت، حذف منه الميم للضرورة ، وهي ما وقع في الشعر، وإن كان عنه مندوحة. وهذا هو الصحيح في تفسير الضرورة، فلا يرد قول ابن الملا: ولك أن تقول: أين الضرورة، وهو متمكن من أن يقول: أصابهم الحمام .. ) (( 103 ) )، واتهم أبو حيَّان ابنَ مالك بعدم فهم الضرورة وكلامِ النحاة فيها ،وقد حكم البغدادي بفساد قول ابن مالك محتجًا لذلك بقوله: ( أقول: هذا مبني على أن معنى الضرورة عند هذا القائل ما ليس للشاعر عنه مندوحة ، وهو فاسد كما يأتي بيانه.والصحيح تفسيرها بما وقع في الشعر دون النثر سواء