وقد منح شوقي ضيف عنصر الصوت أهمية لكونه يميز الصيغة الشعرية إنها صوتية، فالشاعر لا ينطق شعره حسب، وإنما يحاول أن ينغمّه، وينغّم ألفاظه وعباراته حتى ينقل سامعيه وقارئيه من اللغة الاعتيادية التي يتحدثون بها في حياتهم اليومية إلى لغة موسيقية ترفعهم من عالمهم الحسي إلى عالمه الشعري، ولا نقصد الموسيقى الظاهرة وحدها: موسيقى الأوزان، والقوافي، وإنما نقصد أيضًا الموسيقى الخفية [1] ، وقال أيضًا:"الشعر فنٌ سمعي، وليس فنًّا بَصَريًا" [2] والشعر أصوات انفعالية مسموعة، تنبع من مشاعر الشاعر وأحاسيسه لمخاطبة مشاعر الآخرين، ومثيرة إياها بما تحمله من انفعالات تعبّر عن الفرح والسرور، أو الحزن أو الغضب [3] .
وبعد هذه الأفكار التي عرضناها مما يتعلق بوظيفة السمع وأهميتها لتشكيل الصورة السمعية وتأثيراتها نجد من الواجب أن نوضح عظمة موروثنا من الشعر الجاهلي الخالد في ذاكرتنا وذاكرة الزمن، وينبغي أن نسهم في إحيائه من وجهة نظر حديثة، ودراسته دون تعسف، أو مماحكة أو افتئات، وألاّ يشط بنا المسار إلى مسالك تبعدنا عن الحقيقة، وأنْ نتجنب سبيل الاعتساف، كما يجب ألاّ نحشر دراساتنا داخل شرنقة الجمود والتقليد.
ومن هذا المنطلق فقد قررنا أن ندرس الصورة السمعية في الشعر العربي قبل الإسلام لكونها جزءًا من تجربة الشاعر، ولا يمكن فصلها عن جوهر المشاعر والأحاسيس، فضلًا عن الدلالات النفسية"لأن الشعر يكتب للعين مثلما يكتب للأذن" [4] .
(1) في النقد الأدبي، ضيف: 113.
(2) العصر الجاهلي: 140.
(3) في نظرية الأدب، من قضايا الشعر والنثر في النقد العربي القديم والحديث: 2.
(4) نظرية الأدب: 186.