الحمد لله القائل في محكم كتابه: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} الروم: 21، والصلاة والسلام على نبيه محمد الذي ورد عنه فيما ثبت من حديثه: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة) (1) . وبعد فإن لمن تزوج وأراد الدخول بأهله آدابًا في الإسلام، ينبغي معرفتها، والعمل بها، حتى يكون زفافه شرعيًا وتكون حياته الزوجية بعد ذلك تغمرها السعادة، وذلك جزاء من افتتح حياته الزوجية بمتابعة السنة، وأصل هذا الدرس كتيب لفضيلة العلامة الألباني رحمه الله، قمت بختصاره، وتركت بعض المسائل التي فيها خلاف شديد بين العلماء، فالفضل يعود لله ثم له فقد جمع فيه آدابًا كثيرة ودلل عليها بالأحاديث المحتج بها، فمن هذه الآداب:
1 -ملاطفة الزوجة عند البناء بها:
يستحب لزوج إذا دخل على زوجته أن يلاطفها كأن يقدم إليها شيئًا من الشراب ونحوه لحديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: (إني قَيَّنت(2) عائشة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم جئته فدعوته لجَلوتها (3) فجاء فجلس إلى جنبها فأتي بعس (4) لبن فشرب ثم ناولها النبي -صلى الله عليه وسلم- فخفضت رأسها واستحيت قالت أسماء: فانتهرتها وقلت لها: خذي من يد النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: فأخذت فشربت شيئًا، ثم قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: أعطي تربك (5) قالت أسماء: فقلت: يا رسول الله بل خذه فاشرب منه ثم ناولنيه من يدك، فأخذه فشرب منه ثم ناولنيه، قالت: فجلست ثم وضعته على ركبتي، ثم طفقت أديره وأتبعه بشفتي لأصيب منه شرب النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال لنسوة عندي: (ناوليهن) فقلن: لا نشتهيه فقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا تجمعن جوعًا وكذبًا) (6) .
2 -وضع اليد على رأس الزوجة والدعاء لها:
وينبغي أن يضع يده على مقدمة رأسها عند البناء بها أو قبل ذلك وأن يسمي الله -تبارك وتعالى- ويدعو بالبركة، ويقول ما جاء في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادمًا فليأخذ بناصيتها، وليسم الله عز وجل، وليدع بالبركة وليقل:(اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتَها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتَها عليه) (7) .
3 -صلاة الزوجين معًا:
ويستحب لهما أن يصليا ركعتين معا لأنه منقول عن السلف، وفيه أثران:
الأول: عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: (تزوجت وأنا مملوك فدعوت نفرًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم ابن مسعود وأبو ذر وحذيفة قال: وأقيمت الصلاة، قال: فذهب أبو ذر ليتقدم فقالوا: إليك قال: أو كذلك؟ قالوا: نعم، قال: فتقدمت بهم وأنا عبد مملوك وعلموني فقالوا:(إذا دخل عليك أهلك فصل ركعتين ثم سل الله من خير ما دخل عليك وتعوذ به من شره ثم شأنك وشأن أهلك) (8) .
الثاني: عن شقيق قال: (جاء رجل يقال له: أبو حريز فقال: إني تزوجت جارية شابة بكرًا وإني أخاف أن تفركني(9) فقال عبد الله (يعني ابن مسعود) : إن الإلف من الله والفِرْك من الشيطان، يريد أن يكرِّه إليكم ما أحل الله لكم، فإذا أتتك فأمرها أن تصلي وراءك ركعتين. زاد في رواية أخرى عن ابن مسعود: (وقل: اللهم بارك لي في أهلي وبارك لهم فيَّ، اللهم اجمع بيننا ما جمعت بخير، وفرق بيننا إذا فرقت إلى خير) (10) .
4 -ما يقول حين يجامعها:
وينبغي أن يقول حين يأتي أهله: (بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)
قال -صلى الله عليه وسلم-: (فإن قضى الله بينهما ولدًا لم يضره الشيطان أبدًا) أخرجه البخاري وبقية أصحاب السنن إلا النسائي.
5 -كيف يأتيها:
ويجوز له أن يأتيها في قبلها من أي جهة شاء من خلفها أو من أمامها لقول الله -تبارك وتعالى-: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} البقرة: 223. فعن جابر -رضي الله عنه- قال: (كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج) (11) .
6 -تحريم الدبر:
ويحرم عليه أن يأتيها في دبرها لمفهوم الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ولحديث ابن عباس -رضي الله عنه- قال: (جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله هلكت، قال:(وما الذي أهلكك؟) قال: حولت رحلي الليلة (12) فلم يرد عليه شيئًا فأوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} يقول: (أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة) (13) .
وحديث: (من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) (14) .
7 -الوضوء بين الجماعين:
وإذا أتاها في المحل المشروع ثم أراد أن يعود إليها توضأ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا، وفي رواية: وضوءه للصلاة) فإنه أنشط في العود (15) .
8 -الغسل أفضل:
لكن الغسل أفضل من الوضوء لحديث أبي رافع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه قال: فقلت له: يا رسول الله ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: (هذا أزكى وأطيب وأطهر) (16) .
9 -اغتسال الزوجين معا:
ويجوز لزوجين أن يغتسلا معًا في مكان واحد ولو رأى منها ورأت منه، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كنت اغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء بيني وبينه واحد تختلف أيدينا فيه فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي، قالت: وهما جنبان. رواه البخاري ومسلم والرواية له.
10 -توضؤ الجنب قبل النوم:
ولا ينامان جُنبين إلا إذا توضآ، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة) (17) .
11 -حكم هذا الوضوء:
وليس الوضوء وجوبًا وإنما للاستحباب المؤكد، لحديث عمر أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: (نعم ويتوضأ إن شاء) (18) .
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل(19) .
12 -تيمم الجنب بدل الوضوء:
ويجوز لهما التيمم بدل الوضوء أحيانا لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم(20) .
13 -اغتسالهما قبل النوم أفضل:
واغتسالهما أفضل لحديث عبد الله بن قيس قال: (سألت عائشة قلت: كيف كان -صلى الله عليه وسلم- يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل ربما اغتسل فنام وربما توضأ فنام قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) (21) .
14 -تحريم إتيان الحائض:
ويحرم عليه أن يأتيها في حيضها لقوله -تبارك وتعالى-: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} البقرة: 222.
وقال الشوكاني في"فتح القدير" (1/200) : (ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض وهو معلوم من ضرورة الدين) .