ثمّ إنّ كل النصوص التي أوردها أصحاب هذا الرأي ليس فيها ما يفيد جواز أخذ الأجر على الجاه، وإنما فيها ما يفيد أخذ الأجر على العمل الذي يقوم به ذو الجاه، وعلى قدر العمل فقط.
والذين منعوا البنوك من أخذ العمولة على الضمان لم يمنعوها من أخذها على ما تقدم به من عمل، وما تتكبده من مصاريف في سبيل إصدار خطاب الضمان، وإنّما منعوها من أخذ عمولة على مجرد الضمان كما منعت النصوص التي أوردها المعارضون أخذ الأجر على مجرد الجاه.
ثمّ إنه لا يلزم من جواز أخذ الأجر على الجاه - على فرض وجود من يقول به - جواز أخذ الأجر على الضمان للفارق الذي ذكرته بينهما، ولأن العلة التي منعت أخذ الأجر على الضمان وهي السلف بزيادة والغرر غير موجودة في الجاه، بل غير متصورة، لأن ذا الجاه لا يدفع مالًا.
الحجة الثالثة: قياس الضمان على بعض الأعمال التي منع الفقهاء أخذ الأجر عليها ثم أجازوه:
يرى بعض المجوِّزين لأخذ الأجر على الضمان قياسه على أخذ الأجر على بعض الأعمال التي أفتى المتقدمون من فقهاء بعض المذاهب بعدم جواز أخذ الأجر عليها، مثل تحفيظ القرآن، ثمّ أفتى المتأخرون من فقهاء هذه المذاهب بجواز أخذ الأجر عليها (73) .
وهذا أيضًا قياس مع الفارق الكبير، فكل الأمثلة التي ذكرها هؤلاء القائسون يؤدي فيها الإنسان عملًا، قد يشغل كل وقته، وليس في الضمان المجرد أي عمل سوى قول الضامن (ضمنت) .
ثمّ إنّ العلة التي من أجلها منع الفقهاء أخذ الأجر على الضامن وهي السلف بزيادة والغرر غير متصورة في أخذ الأجر على هذه الأعمال.
وأودُّ أن أنبه إلى أن هذا القياس انبنى على فهم خاطئ أو تصور غير سليم من أصحابه لآراء الفقهاء في حكم أخذ الأجر على تحفيظ القرآن، لأن الذي يقرأ أقوال هؤلاء الباحثين يفهم منها أن المتقدمين من الفقهاء منعوا أخذ الأجر على تحفيظ القرآن، وجاء المتأخرون فأجازوه للعلل التي ذكروها، والحقيقة خلاف هذا لأن أخذ الأجر على تحفيظ القرآن أجازه جمهور المتقدمين من الفقهاء منهم فقهاء المالكية، والشافعية، والإمام أحمد في رواية عنه اعتمادًا على أحاديث صحت عندهم، وأجازه (المتأخرون من مشايخ الحنفية وهم البلخيون) مخالفين ما ذهب إليه الإمام وصاحباه، وقد اتفقت كلمتهم جميعًأ في الشروح والفتاوى على التعليل بالضرورة وهي خشية ضياع القرآن (74) .
فكيف يصح قيام أخذ الأجر على الضمان، الذي اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على منعه، على أخذ الأجر على تحفيظ القرآن الذي اتفق جمهور الفقهاء على جوازه.
هذا وقد حاول بعض المجوّزين لأخذ الأجر على الضمان نفي شبهة كون أخذ الأجر سلفًا جر نفعًا فجاء بما لا غناء فيه، قال صاحب هذا الرأي:
علل ابن عابدين في عبارته السابقة ضمن فتوى بنك فيصل - عدم جواز الأجر على الضمان بأن الضامن مقرض للمضمون، فإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل، فقد شرط له زيادة على ما أقرضه، وهو ربا، ونقول ردًا على ذلك إنّ الضمان ليس بقرض، ولا أحسب أن أحدًا عدّ الضمان وجهًا من وجوه القرض (75) .