أمّا خطاب الضمان المغطى تغطية كلية سواءً اعتبرناه كفالة فقط، أم اعتبرناه كفالة ووكالة، فإنّه لا تتحقق فيه علّة الربا، ولا علة الغرر، لأن البنك لن يدفع مالًا من عنده، ولكن تتحقق فيه علة أكل المال بالباطل، إذا كانت العمولة نظير الضمان، سواءً اعتبرناه كفالة أم اعتبرناه كفالة ووكالة، أما إذا كانت العمولة نظير الوكالة وحدها وعلى قدرها، في حالة اعتباره كفالة ووكالة فلا مانع منها شرعًا لأنه ليس فيها أكل للمال بالباطل.
الرد على حجج المجوِّزين لأخذ العمولة على خطابات الضمان (الجعل على الضمان) :
يرى بعض الباحثين جواز أخذ العمولة على خطابات الضمان، مع اعترافهم بأنها كفالة (ضمان) لأنهم لا يرون مانعًا شرعيًا من أخذ الجعل على الضمان، محتجين بالآتي:
1 -الضمان عمل محترم فيجوز أخذ الأجر عليه.
2 -قياس الضمان على الجاه، فكما جاز أخذ الأجر على الجاه يجوز أخذ الأجر على الضمان.
3 -قياس الضمان على بعض الأعمال التي منع الفقهاء أخذ الأجر عليها ثم أجازوه.
الحجة الأولى: الضمان عمل محترم:
يرى بعض المجوِّزين لأخذ الأجر على مجرد الضمان أنه عمل محترم أو خدمة محترمة ومقومة شرعًا، فيجوز أخذ الأخر عليها (69) .
ونقول لهم نعم الضمان أو الكفالة عمل محترم، يثاب فاعله إن شاء الله، ولكن ليس كل عمل محترم يجوز أخذ الأجر عليه، فالإقراض عمل محترم ولا يجوز أخذ الأجر عليه، فكيف يجوز أخذ الأجر على الإقراض المتوقع المستتر في الضمان.
يقول الأستاذ/ مصطفى الزرقا في هذا المعني ما خلاصته: (قضيت في الماضي زمنًا طويلًا متحيرًا في اتفاق الفقهاء على تحريم أخذ الأجر على الكفالة، ولكن بعد تفكير طويل جاءتني فكرة كشفت لي حكمة النصوص الفقهية بالتحريم، ذلك أني قلت إذا جاز أخذ الأجر على الكفالة فإن تحريم الربا يفقد حجيته، فلا يبقى مجال أبدًا لتعليل حكمة الربا، لأننا نحرم على المقرض أن يأخذ فائدة لأنها ربا محرّم فكيف إذن نبرر ذلك إذا قبلنا أن الكفيل لمجرد تعرضه لأن يؤدي عن الكفيل مالًا في المستقبل وقد لا يؤدي يسوغ له أخذ الأجر(70) .
الحجة الثانية: قياس الضمان على الجاه:
يرى بعض المجوزين لأخذ الأجر على الضمان أنه يقاس على أخذ الأجر على الجاه الذي جوّزه عددٌ من الفقهاء (والجاه شقيق الضمان، وحيث يجوِّز بعض الفقهاء الأجر للجاه نظرًا لتطور الحياة فلا بأس من تجويز الأجر مقابل الضمان في إصدار خطابات الضمان) (72) .
وهذا قياس مع الفارق فالجاه ليس شقيق الضمان في شيء لأن الضمان فيه شغل ذمّة بدين، والجاه ليس كذلك، والضمان قد يغرم فيه الضامن، والجاه ليس كذلك، والضمان أقرب إلى القرض من إلى الجاه. والجامع بين هذه الثلاثة هو أنها من أعمال البر التي لا يجوز أحد الأجر عليها كما جاء في الأثر ثلاثة لا تكون إلا لله، القرض والجاه، والضمان.