الضمان مثله، لأن كلا منهما من فعل الخير، ولأن في الضمان معنى القرض، وقد يؤول إلى قرض، هذا بالنسبة للضامن - البنك - أمّا بالنسبة للمضمون - العميل - فالأصل فيه الإباحة، وقد يعرض للضمان ما يجعله واجبًا على الضامن كما إذا كان طالب الضمان مضطرًا، وقد يعرض له ما يجعله حرامًا على الضامن والمضمون، إذا اشتمل على محرم، وقد يكون مكروهًا إذا اشتمل على مكروه.
حكم أخذ العمولة على إصدار خطابات الضمان - الجعل على الضمان:
انتهينا في الكلام عن تكييف خطاب الضمان إلى أنه هو الضمان (الكفالة) المعروفة في الفقه الإسلامي، وعلى هذا يكون حكم أخذ العمولة على إصداره هو حكم الجعل على الضمان في الفقه الإسلامي.
الجعل على الضمان:
لا يجوز في الفقه الإسلامي أخذ جعل على الضمان (الكفالة) ، قال البغدادي: (ولو كفل بمال على أن يجعل الطالب له جعلًا، فإن لم يكن مشروطًا في الكفالة فالشرط باطل، وإن كان مشروطًا في الكفالة فالكفالة باطلة) (62) .
وعلل ابن عابدين بأن (الكفيل مقرض في حق المطلوب وإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل فقد شرط له الزيادة على ما أقرضه فهو باطل لأنه ربا) (63) .
وقال الحطاب: (ولا خلاف في منع ضمان بجعل، لأن الشرع جعل الضمان والقرض والجاه لا يفعل إلا لله بغير عوض، فأخذ العوض عليه سحت) (64) .
وعلل الدردير المنع بأن: (الغريم إن أدى الدين لربه كان الجعل باطلًا، فهو من أكل أموال الناس بالباطل، وإن أتاه الحميل لربه، ثم رجع به على الغريم كان من السلف بزيادة فتفسد الحمالة، ويرد الجعل لربه) (65) .
وأضاف البناني علة أخرى هي: (إن ذلك من بياعات الغرر، لأن من أخذ عشر على أن يتحمل بمائة لا يدري هل يفلس من حمل عنه، أو يغيب فيخسر مائة ولم يأخذ إلاّ عشرة، أو يسلم من الغرامة فيأخذ العشرة) (66) .
وجاء في حاشية الرهوني: (وأجمعوا على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا يحل ولا يجوز) (67) .
ويقول ابن قدامة: (ولو قال أكفل عني ولك ألف لم يجوز، وذلك لأن الكفيل يلزمه الدين، فإذا أداه وجب له على المكفول عنه فصار كالغرض، فإذا أخذ عوضًا صار الغرض جارًّا للمنفعة فلم يجز) (68) .
حكم العمولة في خطاب الضمان:
يتّضح مما نقلته من أقوال الفقهاء أن العمولة التي تأخذها البنوك على خطابات الضمان لا تجوز، لأنها تؤخذ نظير الضمان، إمّا كلها إذا كان البنك يأخذ مصروفات زيادة على العمولة، وإمّا أكثرها إذا كانت المصروفات داخلة في العمولة.
والتعليل الذي ذكره الفقهاء لمنع الجعل على الضمان ينطبق انطباقًا كاملًا على العمولة في خطاب الضمان غير المغطى، لأنه هو الذي يقابل الضمان عند الإطلاق إذ الأصل في الضمان الفقهي ألا يدفع فيه المضمون مالًا للضامن، وينطبق أيضًا على خطاب الضمان المغطى جزئيًا.