قال ابن كثير: فلما بلغ أرميا بني إسرائيل رسالة ربهم ، وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب عصوه وكذبوه ، واتهموه وقالوا: كذبت وأعظمت على الله الفرية ، فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده ، فمن يعبده حين لا يبقي له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب ؟ لقد أعظمت الفرية على الله ، واعتراك الجنون فأخذوه وقيدوه وسجنوه ، فعند ذلك بعث الله عليهم ( بخت نصر ) فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم فحاصرهم ، فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه ففتحوا لهم الأبواب وتخللوا الأزقة ، وذلك قوله تعالى: { فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ } (الإسراء: 5) وحكم فيهم حكم الجاهلية ، وبطش الجبارين ، فقتل منهم الثلث ، وسبي الثلث ، وترك الزمنى والشيوخ والعجائز ، ثم وطئهم بالخيل ، وهدم بيت المقدس ، وساق الصبيان ، وأوقف النساء في الأسواق حاسرات ، وقتل المقاتلة وخرب الحصون وهدم المساجد ، وحرق التوراة ، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له كتابًا ، فوجده قد مات ، ودخل بجنوده بيت المقدس ، ووطئ الشام كلها وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ، فلما فرغ منها انصرف راجعًا وحمل الأموال التي كانت بها وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام ، وقذف الكناسات في بيت المقدس ، وذبح فيه الخنازير وأمر بإخراج أرميا من السجن ، فقال له: أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم ؟ قال نعم: قال: بئس القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم ، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك وأواسيك ؟ وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك . قال له أرميا عليه السلام: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت ، لم أخرج منه ساعة قط ، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك ، ولم يكن لك عليهم سلطان . فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه ، فأقام ( أرميا ) مكانه بأرض إيليا وفي هذا السياق حكم ومواعظ وأشياء مليحة انتهى كلام ابن كثير