والواقع إن خيارنا الحضاري لم يحسم بعد، وبالتالي فإن مشروعنا الحضاري لم تتضح معالمه في أرض الواقع ، وفي التصور العربي للحوار بين الحضارات ، كما لو كنا ما زلنا نبحث عن طريق وأننا على غير ثقة من كفاءة ما نملك ، في تحقيق الخلاص المنشود ..
إن النهضة الحضارية الحقيقية لا تقوم إلا على مشروع حضاري مستقل يرتكز على الدعائم الأساسية للمجتمع، والتي تشكل خصوصيته وتتصل بينابيعه وجذوره، فالحضارة الغربية ما زلت موصولة بينابيعها الثلاثة (69) : المسيحية الكاثوليكية ـ في الأخلاق ـ ، والقانون الروماني ـ في الحقوق السياسية ـ ، والتقاليد الإغريقية ـ في الفكر والفن ـ . ولنتأمل كلمة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في مؤتمر ريو عندما قال:
"إن نمط الحياة الأمريكي ليس قابلًا للتفاوض" (70) .
تلك الكلمة التي توحي بظلال التمسك بثوابت ومراجع المجتمع الأمريكي .. كذلك الحال في أسيا ، في الهند واليابان والصين، حيث للهندوكية والبوذية والكونفوشيوسية، دورها في مشروع كل منطقة ..
وهي قاعدة ينبغي أن ننتبه إليها ونتشبث بها ، تتمثل في أن خصوصية كل مجتمع لابد أن تنعكس بشكل أو آخر على مشرعه الحضاري ، وأي إخلال بهذه القاعدة بالاستعارة أو التزوير أو الترقيع ، لابد وأن تشكك في جدوى ذلك المشروع، وفي مصداقية ذلك المشروع ، فضلًا عن أنها تجرح أمانته في التعبير عن الواقع الذي يتعامل معه (71) .
ومن هذا الوضع لا يسعنا سوى توظيف قوانا العقلية لتمثيل وتصوير واقعنا الاجتماعي ، وذلك بالدفاع عن حقنا في تأكيد هوية الذات (72) .
ومن ثم فنحن"نريد أن نفكر تفكيرًا استقلاليًا ، يعتمد على أساس الإسلام الحنيف، لا على أساس الفكرة التقليدية التي جعلتنا نتقيد بنظريات الغرب واتجاهاته في كل شيىء ! نريد أن نتميز بمقوماتنا ومشخصات حياتنا كأمة عظيمة مجيدة ، تجر وراءها أقدم وأعظم ما عرف التاريخ من دلائل ومظاهر الفخار والمجد ! .." (73) .