مسألة: قال: وإن أكل من لحمه فلا جزاء عليه.
أعلم أنه إذا اصطاد الحلال صيدًا للمحرم لا يجوز لهذا المحرم أكله وحل لغيره من المحلين والمحرمين سواء علم هو أو لم يعلم أمره أو لم يأمره أشار إليه آو لم يشر، وبه قال مالك وأحمد، وهكذا لو أعطاه سلاحًا حتى قتله.
وقال أبو حنيفة: إن كان الصيد ظاهرًا لا يحتاج إلى دلالة لا يحرم عليه بدلالته، وكذلك إن دفع إليه سلاحًا، وهو يستغني عنه لا يحرم به، وان اصطاد له الحلال لا يحرم أيضًا ما لم يكن له فيه معونة أو أمر به واحتج بما روي أن أبا قتادة رأى حمار وحش، وهو محل وأصحابه محرمون، فركب فرسه. وقال لأصحابه: ناولوني السوط، فلم يفعلوا، فقال: ناولوني الرمح، فلم يناولوه فأخذ الرمح وثمل على الحمار، فقتله.
وقال لأصحابه: كلوا فامتنعوا، فلما لحقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبروه بالك [211 / ب] ، فقال لهم:"هل أعنتم؟ هل أشرتم؟"، قالوا: لا، قال:"فكلوا ما بقي"، فدل على أن التحريم إنما يتعلق بالإشارة والإعانة، وهذا غلط لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال:"لحم الصيد حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم".
وروى"صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم"، لأنه صيد للمحرم، فكان محرمًا عليه كما لو أمر أو أعان. وأما خبر أبي قتادة، فلا حجة، لأنه لم يصطد لم، فلهذا أباح لهم، وإن لم يصطد له، ولا كان من جهته تأثير فيه كان له أن يأكل منه، وبهذا قال جماعة الفقهاء والصحابة.
وروي عن علي وابن عباس وطاوس رضي الله عنهم أنهم قالوا: لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال وكرهه سفيان والثوري واسحاف واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بالصعب بن جثامة بالأبواء أو بودان، فأهدى له حمارًا وحشيًا فرده عليه، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجهه الكراهية، قال:"ليس بنا رد عليك، ولكنا حرم".
وروي: أهدى إليه رجل حمار وحش، والأول أصح. وروي آن الحارث كان خليفة عثمان على الطائف فصنع لعثمان طعامًا فيه الحجل واليعاقيب واليعاقيب ذكر الحجل ولحوم الوحش، فبعث إلى علي رضي الله عنه فجاء، فقالوا له: كل، فقال: أطعموه قومًا حلالًا، فأنا حرم، ثم قال علي: أنشد الله من كان هنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أهدى إليه رجل حمار وحش أبى أن يأكله، قالوا: نعم، وهذا غلط