ذكرتم في المسألة الثانية قولكم إنما قنت هو عليه الصلاة والسلام شهرا ، ولهذا استدل به عدد من الأئمة منهم الإمام أحمد أنه إنما يقنت الإمام الأعظم في المسجد الأعظم ما يقنت كل مسجد ، وقلت أيضا إن السنة ظاهرة في انه لا يقنت في البلد الواحد إلا مسجد واحد فقط وهو المسجد الأعظم في البلد .
والجواب: ما هو الدليل أنه لا يقنت إلا الإمام الأعظم ؟!! وأنه لايقنت إلا مسجد الإمام الأعظم فقط !! بل إن فقه الصحابة رضي الله عنهم على أن القنوت ليس من خصائص الإمام الأعظم ومسجده فقط ، بل ثبت عن أنس بن مالك وأبى هريرة وابن عباس والبراء بن عازب ومعاوية وأبى موسى أنهم قنتوا ، وليسوا بالإمام الأعظم ومسجدهم ليس بمسجد الإمام الأعظم كما سوف نذكره إن شاء الله بعد قليل:
أ - فقد صح عن انس بن مالك رضي الله عنه انه كان يقنت في صلاة الفجر رواه ابن المنذر في الأوسط 5/ 209 وغيره ، علما بأن أنسا ممن روى أحاديث قنوت النازلة فكان بفعله هذا يرى أنها ليست من خصائص الإمام الأعظم ولا مسجده ، بل صح عنه رضي الله عنه أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قنتوا في صلاة الفجر فذكر هنا انه فعل جمع من الصحابة والمقصود بذلك قنوت النازلة .
ب - وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه انه كان يقنت في الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح رواه الطبراني في تهذيب الآثار مسند ابن عباس 1/345 رقم 576 فيدعوا للمؤمنين ويلعن الكفار ، وقال لأقرِّبن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه ، وفي رواية عند الطحاوي في شرح الآثار 1/241 ( لأرينكم ) ، فصلى بهم وقنت حتى يعلّمهم أن القنوت مشروع لكل إمام في النازلة ولذا قال: لأرينكم ، مع انه ليس بالإمام الأعظم ومسجده ليس بالمسجد الأعظم ، علما بأن أبا هريرة رضي الله عنه ممن روى أحاديث القنوت للنازلة ، فهذا فهمهم رضي الله عنهم ، بل فعله هو بنفسه تدريبا لأصحابه عليها . قال ابن القيم في زاد المعاد: ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ( أي القنوت ) ثم تركه ، فأحب أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة . اهـ
ج - صح عن البراء بن عازب انه كان يقنت . رواه بن أبي شيبة 2/106رقم 7016 و صفحة 108 رقم 7034 ، وعبدالرزاق في مصنفه 3/109وابن المنذر في الأوسط 5/209 والبيهقي في سننه 2/206 مع أن البراء ممن روى أحاديث قنوت النازلة .
د - صح عن ابن عباس رضي الله عنه انه صلى الغداة في إمارته على البصرة فقنت . رواه بن أبي شيبه 2/105 رقم 7003 وعبدالرزاق في مصنفه 3/113 وبن المنذر في الأوسط 5/209 علما بأن ابن عباس في البصرة كان أميرا لعلي بن أبي طالب ، فلما قنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما حارب أهل الشام قنت ابن عباس تبعا له ذكر ذلك الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/252 في باب القنوت ، وذكره التهانوي في إعلاء السنن 6/ باب القنوت ، وقال الكاندهلوي في كتابه أوجز المسالك 3/175 نقلا عن الدار قطني عن سعيد بن جبير ، قال أشهد أني سمعت بن عباس يقول: أن القنوت في صلاة الفجر بدعة . إلا إذا نزل بالمسلمين نازلة ، فانظر إلى كلام بن عباس هذا وما فيه من عمومية القنوت للنوازل ، بل لا يَبعد أن يكون هذا الكلام له حكم الرفع .
هـ - جاء عن معاوية رضي الله عنه أنه قنت في صفين وما بعدها ، يقنت هو ومن معه مع أنه ليس الإمام الأعظم في ذلك الوقت ، وذكر قنوته الطحاوي في معاني الآثار وكذا الطبري في تاريخه 3/113 ، قال البيهقي في كتابه معرفة السنن في فصل القنوت: وقنت معاوية في الشام يدعو في صفين ، فأخذ أهل الشام عنه ذلك .
ز - وروى الطحاوي في شرح معاني الآثار عن أبي موسى الأشعري أنه قنت وذكره عنه ابن القيم في زاد المعاد ورواه بن أبي شيبة 2/105 رقم 7001 بسنده عن عبد الله بن معقل قال: قنت في الفجر رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وأبو موسى .
فهؤلاء ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم ممن روى أحاديث قنوت النازلة وفعلها ، وكلهم يرون أن لغير الإمام الأعظم فعله ، فأين المخالف لهم من الصحابة ممن منع قنوت النوازل أو رأى انه خاص بالإمام الأعظم أو مسجده .