الصفحة 71 من 89

قال ابن عابدين في حاشيته 2/11 في مطلب القنوت في النازلة ، قال: إن نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الجهر .... ونقل عن الطحاوي في القنوت إن وقعت فتنة أو بلية فلا بأس به ( وراجع إعلاء السنن 6/95 ) . وقال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح 1/252: إذا نزل بالمسلمين نازلة قنت في صلاة الفجر ، وهو قول الثوري واحمد . وقال اللكنوي في كتابه التعليق الممجد 1/636 ، قال: إن قول أبى حنيفة وأصحابه لا قنوت في شيء من الصلوات إلا في الوتر وإلا في نازلة . وقال في البحر الرائق للحنفية 2/48: وإن نزل في المسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الجهر . وذكر التهانوي في إعلاء السنن 6/84 ، 95 أن عين مذهب الحنفية والجمهور هو القنوت في النوازل مؤقتا . وبعض الحنفية يرى أن القنوت للنوازل منسوخ كالطحاوي في شرح معاني الآثار وينقله عن بعض أئمة الحنفية 1/254 مع أن كلام الطحاوي هذا ناقشه التهانوي في إعلاء السنن 6/96 وبين اختيار المذهب وهو القنوت .

والخلاصة من هذا النقل من أقوال المذاهب التدليل على أن القنوت لكل نازلة تحصل في المسلمين أن يقنت الجميع ، وليس القنوت لكل بلد بحسبه ، وقد مر بك ألفاظ كلام العلماء الدالة على العموم وليس فيها أدنى كلام في تخصيص كل بلد بنازلته ، أما كلام العلماء المستقلين فقد قال ابن حزم في المحلى 4/ 138وما بعدها ، المسألة رقم 459: إن القنوت فعل حسن . وقال الشوكاني في نيل الأوطار 2/345: القنوت عند النوازل مشروع عند النازلة ، وقال في السيل الجرار 1/229: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله إذا نزلت في المسلمين نازلة فيدعو لقوم أو على قوم ، أما كلام ابن تيميه وبن القيم فكثير فمنه مافي الفتاوى 23/111: والقنوت فيها إذا كان مشروعا كان مشروعا للإمام والمأموم والمنفرد . بل إن ابن تيميه له رسالة مستقلة في القنوت في مشروعيته وعموميته ، وكذا ابن القيم في زاد المعاد جعل فصلا مستقلا في هديه صلى الله عليه وسلم في قنوت النوازل . وقال الصنعاني في السبل 1/378 رقم 288 قال: فالقول بأنه يسن القنوت في النوازل قول حسن . ومما يجمع خلاصة كلام المذاهب قول اللكنوي في كتابه التعليق الممجد 1/636: ولا نزاع بين الأمة في مشروعية القنوت ولا في مشروعيته للنازلة إنما النزاع في بقاء مشروعيته لغير النازلة ، ونقل ابن عبد البر في الاستذكار 6/202 عن يحي بن سعيد أن القنوت إذا دخلت جيوش المسلمين هو فعل الأئمة .

ثانيا:

ذكرتم في المسألة الثانية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قنت لم يأمر مساجد المدينة بالقنوت - قنوت النوازل - ولم يأمر مسجد قباء ومسجد ( زريق ) ومسجد العالية .

والجواب: نفْيكم هذا يحتاج إلى إثبات خاص فهل هناك دليل صريح انه قال لهم لا تقنتوا أو انهم قنتوا فنهاهم ، فالنفي مثل الإثبات يحتاج إلى دليل لأن النفي قضية سلبية تحتاج إلى برهان كالقضية الموجبة وكون المستدل ليس لديه دليل على القضية المعينة لا يلزم منه انتفاء تلك القضية إذ قد تكون ثابتة بدليل لم يعلمه المستدل كهذه القضية إذ من المعلوم قطعا أن الصحابة رضي الله عنهم لا يخالفون قول الرسول ولا فعله ، وقد ثبت عنه انه قنت فلا بد أن يقتدوا به في ذلك القنوت ، يدل على هذا قصة استدارة أهل مسجد قباء حينما أبلغوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم استقبل الكعبة ففعلوا ذلك عندما علموا من غير أن يأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.

ويقال أيضا لكم على وجه التنزل إذ لم يأت حديث بالأمر فأيضا لم يأت حديث بالنهي إنما هو شيء مسكوت عنه ، والمسكوت عنه يرجع فيه للقواعد والأصول ، والأصل أن الصحابة يقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) والأصل في الرسول انه مُتَبع ، وما فعله شرع يعمل به مالم يدل دليل على خصوصيته به وإلا على كلامكم يلزم منه لوازم باطلة تؤدي إلى تعطيل بعض الشرائع فيقال صلاة التراويح فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده بعض الليالي وفعلها عمر رضي الله عنه في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تفعل في المساجد الأخرى لأنه لم يرد دليل أن المساجد الأخرى اُمرت بذلك ، ومثلها صلاة الكسوف صلاها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده ولم يأت دليل انه أَمر المساجد الأخرى ، وكذا صلاة الخوف ، فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين الدليل أنه أمر السرايا والجيوش الأخرى بصلاتها ، ويقال أيضا البلاد التي فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الدليل أنه أمر مساجدهم بإقامة الجمعة وغيرها من الشعائر الظاهرة ، وهكذا من اللوازم الباطلة التي ليس المخرج منها إلا أن يقال الأصل الاقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم ، والأصل أن الصحابة والمسلمين فعلوا ما فعله صلى الله عليه وسلم إلا إذا جاء دليل خاص بالمنع أو النهي لا مجرد السكوت وعدم النقل .

ثالثا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت