ولكن ما جدوى كل الجهود المضنية التي تجشمناها في الدراسات السابقة بمعرض ملاحقة الحروف العربية منذ نشأة أصولها الأولى في الجزيرة العربية مرحلة حياة بعد مرحلة، إلى نهاية مطافها في المعاجم اللغوية والمراجع الصرفية النحوية المتداولة، إذا لم نُفِدْ منها في استخراج المعاني الفطرية للكلمات التي تشارك في تراكيبها؟.
وبتعبير أدق: ما جدوى كل ذلك إذا لم نثبت أن المعاني التراثية الفطرية للكلمة العربية وأصول استعمالاتها هي محصلة الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) للحروف العربية التي تشارك في تراكيبها؟، وهذا المنهج هو الامتحان الحاسم لكل ما تناولته هذه الدراسة وما سبقها من الدراسات، من مقولات وافتراضات وتطورات.
فكان لابد من التطبيق على أمثلة من الكلمات. ولقد استعرضت في فصل واحد من الدراسة الأولى (( خصائص الحروف العربية ومعانيها ) )معاني (56) كلمة بالرجوع إلى خصائص ومعاني الحروف التي تشارك في تراكيبها.
ولكن هذا النهج لم يكشف عن المعاني التراثية لكل كلمة منها فحسب، وإنما قد كشف أيضًا عن أسباب تنوع معانيها ومعاني مشتقاتها إلى حد التضاد أحيانًا.
كما كشف هذا النهج أيضًا عن الأخطاء المعجمية في تحديد المعاني التراثية لبعض الكلمات، مما يقطع بأنه كان ثمة تصحيف سمعي عند التدوين، أو تصحيف بصِريٌّ (كتابيٌّ) قبل التنقيط، فأثبتت المعاجم في أمثال هذه الكلمات حرفًا مُصحَّفًا بدلًا من الحرف الأصيل الذي يقاربه إمَّا صوتًا أوْ رسمًا.
ولكن بفرض أن تلك النماذج من الكلمات الآنفة الذكر قد توافقت معانيها وتطابقت مع خصائص- الحروف التي تشارك في تراكيبها، فما القيمة (العلمية) لذلك في دنيا الإحصاء بمعرض إثبات صحة هذا النهج على اللغة العربية وفيها عشرات الألوف من المصادر الجذور؟
لا بل قد لا نعدم أن نجد من يتهمنا بأن هذه النماذج على كثرتها قد تم اختيارها أيضًا بما يؤيد هذا النهج تأييدًا مصطنعًا مشوبًا بالتواطؤ.