والملاحظ أن المقبلين على هذه الطاعات البدعية هم أكسل الناس في أداء الطاعات السنية ، فالبدعة والسنة لا يجتمعان في قلب واحد ، فهما كالسلعة والثمن ، لا يجتمعان في يد البائع والمشتري، قال الشاطبي في (( الاعتصام ) ) (2/279 ـ 280، بتحقيقي) :
(( ألا ترى أن الناس قد وقع فيهم الفتور عن الفرائض فضلًا عن النوافل ـ وهي ما هي في القلة والسُّهولة ـ ؛ فما ظنُّك بهم إذا زيد عليهم أشياء أخر يُرغِّبون فيها ويُحرضون على استعمالها ، فلا شك أن الوظائف تتكاثر ، حتى يؤدي إلى أعظم من الكسل الأول ، أو إلى ترك الجميع ، فإن حدث للعامل بالبدعة هوى في بدعته أو لمن شايعه فيها ؛ فلا بدَّ من كَسَلِه عما هو أولى .
فنحن نعلم أن سافر ليلة النصف من شعبان لتلك الصلاة المحدثة لا يأتيه الصبح إلا وهو نائم أو في غاية الكسل ، فيخل بصلاة الصُبح ، وكذلك سائر المحدثات ، فصارت هذه الزيادة عائدة على ما هو أولى منها بالإبطال أو الإخلال ، وقد مرَّ في النقل أن بدعة لا تحدث إلا ويموت من السنة ما هو خير منها .
وأيضًا ؛ فإن هذا القياس مخالف لأصل شرعي ـ وهو طلبُ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسهولة والرفق والتيسير وعدم التشديد ـ ، وزيادة وظيفة لم تشرع فتظهر ويُعمل بها دائمًا في مواطن السنن ؛ فهو تشديدٌ بلا شك )) .
والخلاصة ... إن كل اجتماع يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة ، هو المبتدع . ففرق بين ما يفعل من غير ميعاد ، وبين ما يتخذ سنةً وعادة ، فإن ذلك يضاهي المشروع . وقد كره ابن مسعود وغيره من الصحابة اعتياد الاجتماع في مكان مخصوص . وهو المنصوص عن أحمد (رُوي) أنه قيل له: تكره أن يجتمع القوم ، يدعون الله تعالى ، ويرفعون أيديهم ؟ فقال: ما أكره للإخوان إذا لم يجتمعون على عهد ، إلا أن يكثروا .