1 -لقد كانت لخليل الوزير خلافات تنظيمية وسياسية مع عرفات: وصلت أوجها حينما أوقف عنه ميزانيته ومخصصه، وفاتورة هاتفه، وأجرة بيته وحركة فتح لا تحكمها بنية تنظيمية، بل شخصية مرجعية، والخلاف مع الشخصية المرجعية يسبب ارباكات للعمل، فالشخصية المرجعية تؤمن بالامتثال لا الاختلاف، وتعتبر نفسها الوصي على الثورة والثوار، والعقل الأوحد، ومن هنا حزم خليل الوزير حقائبه، وجمع أوراقه للرحيل إلى الجزائر أو بغداد بعيدا عن"الختيار"لذلك لم يعط جهده للتفكير بالمحافظة على الإجراءات الأمنية (التي يحترفها) أو اتخاذ مزيد من الحذر حتى مرافقوه لم يهتم ببقائهم قريبا منه. وكأن الموساد التي تترصده كانت تعرف ما يدور في نفسه، وتنتظر انكساره، حتى إذا ما حانت اللحظة الحاسمة دهموه بكل شراسة وأجهزوا عليه، ومزقوا جسده بالرصاص.
2 -الصحفية التي كانت تتردد على المنزل: وظهرت مع القتلة وهي تحمل كاميرا فيديو، ونادت على الحارس مصطفى لأنها تعرفه. أحد محاور الخلل التي تتسرب إلى شخصية القائد، وتظهر في مراحل مبكرة من عمره هي الصحافة، فالقائد يحب عدسات الكاميرات، لأنها تبرز ذاته، وتؤكدها، إنها الماكينة التي تصنع العظماء وتقتلهم، إنها تعمي البصيرة، وتضخم الذات، إنها إدمان من نوع جديد، إنها تغرس في القائد جنون العظمة، لذلك تفتح لها الأبواب المغلقة، فلا شيء محرم عليها، إنها تدخل غرفة نومه، ومكتبه وقاعات ضيوفه وقاعات الأكل، وعدسات الكاميرا تسمع وترى، وتحس وتفعل (كما يقول محمد حسنين هيكل عن السادات: لقد قتلته عدسات المصورين وشاشات التلفزيون، بحيث لم ير إلا نفسه وانعزل عن شعبه وأصبح هو في واد والشعب في واد آخر) هذه الأشرطة والصور واللقاءات تطير فورًا إلى الموساد الذي يلتقطها ويحللها خبراؤه، ويستخدمونها في دراسة عملية تقوم بها وحداته الخاصة بالاغتيال. إن الصحفيين جواسيس فاحذروهم، ولقد قتلوا الكثير، فهل من معتبر؟.
3 -الخلافات الداخلية في أُطر فصائل المقاومة تؤدي إلى الانفلاش والتسيب والمحورية: وكشف أسرار التنظيم ونقل تفاصيل أوضاعه الداخلية للشارع، وفي ظل هذه الصراعات يتفشى الاستهتار، وتضمر الدوافع، وتختل الموازين ويعيش الجميع في دائرة مغلقة، تتسع وتكبر مع التفريغ السلبي في الحجرات المغلقة، وتزداد حدة الصراعات لتدخل أطراف خارجية فيها، وقد يسقط قتيل هنا أو اغتيال هناك.
ولكن السؤال من القاتل؟
من يمكن أن يؤكد أن عبد الوهاب الكيالي، أو عز الدين قلق، أو سعيد حمامي، أو سعد صايل قتلوا على يد الموساد، ولم يقتلوا نتيجة تصفيات داخلية، وهل هناك ثمة خفافيش في تونس تمارس لعبة الاغتيال أو تقدم معلومات وتوفر المناخ للاغتيالات؟
إن الخلافات الداخلية يجب أن تتوقف لكي لا تترك مناخًا للخفافيش تمارس اللعبة السوداء نيابة عن الموساد أو بالاشتراك معه ... إن أزمة الفصائل تكمن في إنها تفتقد إلى بنية تنظيمية حقيقية، وتحكمها العقلية الأبوية التي تدور كل تفاصيل الحركة حولها، ومن هنا سقطت مصطلحات حركة، وتنظيم، واستبدلت عبر وعي الشارع بمصطلح جماعة فلان وجماعة علان. إن أغلب الفصائل بحاجة إلى مراجعة نقدية لفكرها التنظيمي الذي غاب، وبحاجة إلى تجديد التركيبة بحيث يكون لها بنية تنظيمية حية وفاعلة تدفعها الحوافز وليس العمل الوظيفي، وبحاجة إلى أجهزة مؤسسات تنظيمية لا استعراضية أو بوليسية.