و لقد توجّه الخطاب في هاتين الآيتين إلى الرّسول و جماعة المؤمنين يأمرهم بإقامة الحدّ على الزّناة و يحرّم عليهم مناكحتهم. و يُعتبر كلا الأمرين عقوبة للزّناة و حفظا للجماعة المسلمة من هذا السّلوك. ويحيل هذا الموقف على رسالة بولس إلى كورنثوس - المذكورة آنفا - القاضية بهجر الزناة.
و يستوقفنا بدْأ الخطاب في الآية الثانية من السّورة بذكر الزّانية قبل الزّاني في سنّ الحكم في قوله: (الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فاُجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَةٍ) رغم أنّه يقدّم، عادة، الرّجال استجابة إلى الطبيعة الباطرياركيّة لمجتمع الدّعوة. و يعود عدول الخطاب عن سنّته في تقديم الرّجال على النّساء في تقديرنا إلى سببين أساسيين يكمّل أحدهما الآخر.
أوّلا: إدراكه لتوفر الجمال و الفتنة - باعتبارهما الباعث الرّئيسي للزّنا - في المرأة أكثر من الرّجل. و لقد أكّد القرآن هذا المعنى في سورة النّور نفسها حين أمر النّساء بالاحتجاب.
ثانيا: موافقته للعرف العربي الضنين بالأنساب باعتبار أنّ طبيعة المرأة الفيزيولوجيّة تجعلها تتسبّب في قطعها - إن زنت - أكثر من الرّجل، و ذلك أنّ المرأة إن وطئها أكثر من رجل واحد في دورة واحدة أو طهر واحد - بحسب التعبير الفقهيّ - فإنّه لا يمكن تحديد صاحب الحمل منهم، أمّا إن وطئ رجل واحدة عدّة نساء فإنّ كلّ أحمالهنّ ستنسب إليه.
إلاّ أنّ الخطاب قد أخر المرأة في الآية الثالثة عن الرّجل حين حرّم نكاح الزّناة بقوله: (الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إلاَّ زّانِيَة أو مُشرِكَة) . و يبدو أنّ اِنقلاب الترتيب في هذه الآية معزوّ لكون عقدة النّكاح في المجتمع العربي الرّجالي الذي ظهر فيه الإسلام بيَدِ الرّجل فنهاه القرآن عن المبادرة إلى وطء الزّانيات. و يؤكّد لنا هذه الفرضيّة قوله: (وَ الزَّانِيَة لاَ يَنْكِحُهَا إلاَّ زَّانٍ أوْ مُشرِكٌ) ، فأسند الخطابُ فعل النّكاح، كرّة أخرى، إلى الرّجل رغم أنّ المرأة هي بالمقياس النحوي المسند إليه في الجملة.
و نشير إلى أنّ الخطاب القرآني قد ورد عامّا في كلّ الزّناة دون استثناء، فلم يخصّص هذه الأحكام في المسلمين و لا خصّصها في طائفة منهم دون أخرى. و لقد نهضت آيات الزّنا من سورة النّساء بهذا الدّور، و سيأتي تفصيل ذلك.
و لئن بدا الخطاب القرآني صارما في تعرّضه للزنا بلفظه بما سنّ من أحكام شديدة لآتيه فإنّه قد أعذر إليه في سياقات أخرى بما ذكره من نواهٍ و عظات بتجنّبه للفوز بثواب الصّبر عليه. فتجلّى هذا الموقف في سور"الإسراء"و"الفرقان"و"الممتحنة"التي تقاربت أساليبها في تقريره. فأيّ دور نهضت به آيات الزنا من هذه السّور في تبرير تحريم الوطء الفاسد؟
? قوله: [وَلاَ تَقْرَبُوا الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبيلًا] [1] .
يفيد أسلوب الإنشاء الطلبي الذي صيغت به هذه الآية أنّها متضمّنة لحكم [2] ، إلاّ أنّنا قد أضفناها إلى آي النهي عن الزنا و مكافحته لأنّها لم تسنّ حدّا للزّاني. و لقد قدّرنا أنّ السّياق الذي ورد فيه التّعرّض للزنا من سورة الإسراء يبدأ عند الآية الحادية و العشرين ساعة تحوّل الخطاب القرآني إلى النّبيّ و إلى المؤمنين يحرّضهم على الثبات على دعوتهم و يرسم لهم نهجا في السّلوك، فقد كان الخطاب في بداية السّياق موجّها إلى الرّسول يأمره فوق التّوحيد بخصال منها صلة الرّحم والتّوسّط في الإنفاق. ولكن سرعان ما انقطع عنه عند الآية الحادية والثّلاثين في قوله [وَلا َتَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ] و تحوّل إلى المؤمنين ليؤثم القتلة و الزّناة.
و رغم اِحتواء السّياق المذكور [3] على خمسة عشر فعلا مُركّبا بالنّهي وعلى تسعة أفعال أمر فإنّ الخطاب فيه أقرب إلى أن يكون وعظيّا لا تشريعيّا لأنّه لا يكفّ المؤمنين عن الخطايا بعقوبات بدنيّة تُقام في الدّنيا على المعتدين منهم. و تعدّ آية الزنا أنموذجا للآيات الواردة في هذا السّياق من قبيل أنّها قُدّت على نفس الشّكل النّحويّ لمعظم الآيات المجاورة لها. فبُدِئت بتركيب نهي أتبِع بجملة تبرّره. بمعنى أنّ القرآن قد نهى عن الزنا وبيّن أنّ علّة ذلك هي دونيّته و سلبيّة نتائجه في قوله [إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ
(1) - سورة الإسراء: 17/ 32.
(2) - كولسن:"في تاريخ التشريع الإسلامي"، ترجمة: محمّد أحمد سرّاج، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات، بيروت، الطّبعة الأولى لسنة 1992. ص 29.
(3) - أضافتها نائلة السّلّيني إلى آي الأحكام في أطروحتها:"تاريخيّة التفسير القرآني"، المركز الثّقافي العربي - بيروت،، ج 1 ص 162.