نستجمع معانيه الواردة فيها و نعرضها على حكم الجلد لنكشف مدى اتساق الموقف القرآني من الوطء المحرّم.
? قوله: [الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فاِجْلِدُوا كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَةٍ وَ لاَ تأخذكُمْ بهِمَا رَأفة فِي دِينِ اللهِ إنْ كُنْتمْ تؤمِنُونَ بِاللهِ وَ اليَوْمِ الآخِرِ وَ لْيَشهَدْ عَذابَهُمَا طَائِفة مِنَ المُؤْمِنِين (2) الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَة أوْ مُشرِكَة وَ الزَّانِية لاَ يَنْكِحُهَا إلاَّ زَانٍ أوْ مُشرِكٌ وحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ (3) ] [1] .
نشير في البداية إلى أنّنا قد رأينا أن نعرض الآيتين في مقام واحد لترابطهما سياقيّا و مضمونيّا باعتبار أنّ أولاهما قد سنّت حدّا للزّناة و أقرّت الثانية سبيل الجماعة المؤمنة في التّعاطي معهم.
و لقد وردت هاتان الآيتان في سورة تميّزت بسياقها التشريعيّ المبين الذي اِستغرق نحو نصفها [2] . و لقد نصَّ الخطاب منذ الآية الأولى فيها على أنَها متضمّنة لأحكام مفروضة على المؤمنين في قوله: (سُورَة أنْزَلنَاهَا وَ فرَضْنَاهَا) ، و أنّ آياتها جليّة المقاصد في قوله: (وَ أنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) . و هو شرط مندوب لِسنّ الأحكام التشريعيّة حتّى تُفهم على وجهها الذي أراده الشّارع. و لقد صدق الخطاب وعده فورد حكم الزنا الذي مثل أحد محاور الأحكام في هذا السّياق، في عمومه، على درجة من الوضوح في اللفظ و في المقصد على السّواء فذكِر الزنا بلفظه وذكِرت العقوبة بنوعها ومقدارها خلافا للغموض الذي وردت عليه آيات الزنا في سورة النّساء، مثلا، كما سيأتي. فعقوبة الزّانية و الزّاني في هذا التّشريع هي مائة جلدة لكلّ منهما."و الجلْدُ مصدر جَلَدَهُ بالسّوْط يجلِدُه جَلْدًا، ضربه .. و جلَدَه الحدّ جَلْدًا أي ضربه و أصاب جلده" [3] و"هو ضرب الجِلد" [4] ، فيكون الجلد بطرح ثياب المحدود و ضربه على الجلد مباشرة.
و لئن كان هذا الأمر مقبولا متى أقيم على الرّجل فإنّ انكشاف المرأة سلوك يحظره الإسلام كما سيأتي في محور آيات النهي عن الزّنا. و هو ما يطرح السّؤال عن كيفيّة إقامة الرّسول للحدّ؟ فرغم هذا الوضوح في عموم الحكم فإنّ القرآن لم يحدّد كيفيّة الجلد و لا العضو المستهدف من جسم المحدود و لا أداة تنفيذه التي أثِر أنّها كانت سوْطا"وسُمّي السّوط سوطا لأنّه إذا سيط به إنسان أو دابّة خلِط الدّم باللحم .. و قال الفرّاء: هذه كلمة تقولها العرب لكلّ نوع من العذاب يدخل فيه السّوط جرى به الكلام و المثل، و يُروى أنّ السّوط من عذابهم الذي يُعذبون به فجرى لكلّ عذاب إذ كان فيه عندهم غاية العذاب" [5] . و لو صحّ أنّ الأداة المعنيّة في إقامة الحدّ هي السوط فسيكون النّكال شديدا بما يُتصَوّر أنّه رادع مناسب عن التّعدّي بإتيان الوطء المحرّم.
و بالرّغم من هذا الغموض فإنّنا نفهم أنّ تحاشي المقاتل عند الجلد مُتأكّد، لأنّ القرآن لو عنى بالعقاب قتل الزّناة لصرّح به و لما وسمه بالجلد أو العذاب، فالعذاب كما يُفهم من قوله (وَ ليَشهَدْ عَذابَهُمَا طَائِفة مِنَ المُؤْمِنِينَ) هو التنكيل بالزاني عبر جلده. فلا يكون للجلاّد أن يفرط في الضّرب حتى تتحقق غاية التعذيب و التنكيل و لا ينتهي الحدّ بالموت.
و يتوسّط القرآن في هذا الحكم موقفي التوراة و الإنجيل من الزنا. فلا هو قضى على الزّناة بالموت، و لا هو تغاضى عن فعلهم فأوكل مسألة تعففهم عن الوطء المحرّم إلى ضمائرهم و ورعهم.
و لقد بدا الخطاب في هذا السّياق متشدّدا في إقامة العقوبة و مُضْربا عن كلّ رخص العفو في قوله (وَ لاَ تأخذكُمَا بهِمَا رَأفة فِي دِينِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَ اليَوْمِ الآخِرِ) ، مع الأمر بإجراء الحدّ على صورة طقوسيّة / اِحتفاليّة يحضرها (طَائِفة مِنَ المُؤْمِنِينَ) للتشهير بالعادين و ردع الشاهدين.
و ينبِئ هذا الاِحتفاء بإقامة الحدّ بحرص القرآن على حماية ما أرساه من قيم أخلاقيّة، فالخطاب القرآني قد نهى عن الزنا و حرّض على هجره - كما سيأتي - بأساليب مختلفة باِعتبار منافاته لأخلاق المسلم التي يروم حمله عليها. ثمّ جسّم موقفه بسنّ العقوبات البدنيّة حتى يكف النّاس عنه.
(1) - سورة النّور: 24/ 2 - 3.
(2) - ينتهي هذا السّياق تقريبا عند الآية 34.
(3) - اِبن منظور:"لسان العرب"، ج 2 ص 323.
(4) - محمّد علي التهانوي:"كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم". ج 1، ص 569.
(5) - نفسه، ج 6 ص 431.