فانقضى عصرهم الكريم وهم على ذلك، ثم إنهم تفرقوا في البلاد، وصار كل واحد منهم قدوة للنّاس، في بلد من البلاد فكثرت الوقائع، ودارت المسائل فاستفتوا فيها، فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبطه، وإن لم يجد فيما حفظه واستنبطه ما يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلة التي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم في منصوصاته، فطرد [1] الحكم حيثما وجدها، لا يألو جهدًا في موافقة غرضه عليه الصلاة والسلام فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ضروب:
منها: أن صحابيًا سمع حكمًا في قضية أو فتوى ولم يسمعه الآخر فاجتهد برأيه في ذلك، وهذا على وجوه:
أحدها: أن يقع اجتهاده موافق الحديث، مثاله ما رواه النسائي وغيره أنّ ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها [2] ، لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك، فاختلفوا عليه شهرًا وألحوا، فاجتهد برأيه وقضى بأنّ لها مهر نسائها [3] لا وكس ولا شطط [4] . وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام.
ثانيها: أن يقع بينهما المناظرة ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب الظن، فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع. مثاله: ما رواه الأئمة من أنّ أبا هريرة رضي الله عنه كان من مذهبه أنّه من أصبح جنبًا فلا صوم له، حتى أخبرته بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف مذهبه فرجع.
(1) طرد الحكم: جعله عامًا.
(2) أي لم يسم لها مهرًا.
(3) أي مثيلاتها من النساء.
(4) أي من غير زيادة أو نقصان.