الصفحة 14 من 25

وكان صلى الله عليه وسلم يستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم، وترفع إليه القضايا فيقضي فيها، ويري الناس يفعلون معروفًا فيمدحه، أو منكرًا فينكره عليهم، وما كل ما أفتى به مستقيمًا عنه أو قضى به في قضية أو أنكره على فاعله كان في الاجتماعات.

ولذلك كان الشيخان أبو بكر وعمر إذا لم يكن لهما علم في المسألة يسألان الناس عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو بكر رضي الله عنه:"ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فيها شيئًا ــ يعني الجدة ــ"، وسأل الناس، فلما صلى الظهر قال:"أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الجدة شيئًا؟"، فقال المغيرة بن شعبة:"أنا"، قال:"ماذا؟"قال:"أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسًا"، قال:"لم يعلم ذلك أحد غيرك؟"، فقال محمد بن مسلمة:"صدق". فأعطاها أبو بكر السدس [1] .

وبالجملة فهذه كانت عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم فرأى كل صحابي ما يسره الله له، من عباداته وفتاواه وأقضيته فحفظها وعقلها وعرف لكل شئ وجهًا من قبل حفوف القرائن به [2] . فحمل بعضها على الإباحة وبعضها على الاستحباب، وبعضها على النسخ؛ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن العمدة عندهم إلاّ وجدان الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال، كما ترى العرب بفهمون مقصود الكلام فيما بينهم، وتثلج صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا يشعرون.

(1) رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي، وصححه الترمذي.

(2) أي إحاطة القرائن به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت