أ) فالاتحاد يقوي الضعفاء ويزيد الأقوياء قوة على قوتهم فاللبنة وحدها ضعيفة مهما تكن متانتها، وآلاف اللبنات المتفرقة والمتناثرة ضعيفة بتناثرها وإن بلغت الملايين، ولكنها في الجدار قوة لا يسهل تحطيمها لأنها؛ باتحادها مع اللبنات الأخرى في تماسك ونظام، أصبحت قوة أي قوة، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف بقوله: [المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا] وشبَّك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه.
(ب) والاتحاد كذلك عصمة من الهلكة، فالفرد وحده يمكن أن يضيع، ويمكن أن يسقط يفترسه شياطين الإنس والجن، ولكنه في الجماعة محميٌّ بها؛ كالشاة في وسط القطيع لا يجترئ الذئب على أن يهجم عليها؛ فهي محمية بالقطيع كله.
أسباب الاختلاف عند السلف من الصحابة والتابعين في الفروع
لم يكن الفقه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدوَّنًا، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل بحث هؤلاء الفقهاء حيث يبيِّنون بأقصى جهدهم الأركان والشروط والآداب.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيرى أصحابه وضوءه؛ فيأخذون به من غير أن يبيِّن أن هذا ركن وذلك أدب. وكان يصلي فيرون صلاته فيصلون كما رأوه يصلي، وحج فرمق النّاس حجه [1] ؛ ففعلوا كما فعل، وهذا كان غالب حاله صلى الله عليه وسلم، ولم يبيِّن لهم أن فروض الوضوء سبعة أو أربعة، ولم يفرض أن يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة حتى يحكم عليه بالصحة أو الفساد، و إلا ما شاء الله، و قلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء.
(1) أي نظروا إليه ليأخذوا عنه أفعال الحج وأحكامه.