الصفحة 9 من 17

إنّ قيد أهل النظر عرفي واضح، ولذا فهو يشكل قرينة ارتكازية للإطلاق هنا، فلا يتم جواب الغزالي (70) .

ثانيًا: أدلتهم من السنة النبوية:

أ ـ استدلوا بما رواه عبدالله بن مسعود أنّه قال:"إنّ الله ـ عز وجل ـ نظر في قلوب عباده فاختار محمدًا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابًا، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح" (71) .

واستدلالهم بهذه الرواية لأصول مختلفة؛ لأن الأمر يفيد رجحان مصلحة الوجود؛ لامتناع الأمر بما فيه مفسدة راجحة أو مساوية، والإذن في تركه إذن في تفويت المصلحة الخالصة، وأنه قبح عرفًا فكذا شرعًا، وقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ:"ما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح"ترك العمل به في المندوبات، فيبقى فيما عداها.

ولا يقال: إلزام المكلف استيفاء المصلحة الخالصة لنفسه قبيح عرفًا فكذلك شرعًا؛ لأن هذا ينفي أصل التكليف.

ولكن يناقش هذا الاستدلال بأمور:

1 ـ إنّ هذا لو أتى من وجه صحيح لما كان لهم فيه متعلق؛ لأنه إنّما يكون إثبات إجماع المسلمين فقط؛ لأنه لم يقل: ما رآه بعض المسلمين حسنًا فهو حسن، وإنّما فيه: ما رآه المسلمون، فهذا هو الإجماع الذي لا يجوز خلافه لو تيقن، وليس ما رآه بعض المسلمين أولى بالاتباع مما عند غيرهم من المسلمين، ولو كان ذلك لكنا مأمورين بالشيء وضده، ونفعل شيئًا ونتركه معًا، وهذا محال.

2 ـ هذه الرواية موقوفة على ابن مسعود، وربما كانت كلامًا له (72) وليست حديثًا للرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، بالإضافة إلى ذلك أنها من أخبار الآحاد التي لا تثبت بها الأصول كما يقول الغزالي.

3 ـ لو صحت تلك الرواية فهي تأكيد لقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع (73) ولا يمكن الأخذ بمضمونها حسب الظاهر.

4 ـ قد يراد بها: العرف الشائع بين المسلمين، وهو الظاهر، وهذا يعني: الرجوع إلى عرف المتشرعة.

ب ـ قيل: إنه ثبت عدول الشارع في بعض الوقائع عن موجب القياس أو عن تعميم الحكم جلبًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة. فقد نهى ـ صلى الله عليه وآله ـ عن بيع المعدوم بقوله:"لا تبع ما ليس عندك"، ثم عدل فرخص في بيع السلم مراعاة لمصلحة الناس، ويرشد إلى ذلك قوله ـ صلى الله عليه وآله ـ:"من أسلف فليسلف في كيل معلوم وزن معلوم إلى أجل معلوم"، وهذا يعني: تجويز الاستحسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت