الصفحة 8 من 17

أوّلًا: أدلتهم من الكتاب:

استدلوا بآيتين من كتاب الله وزعموا دلالتهما على ذلك.

أ ـ قال تعالى: (الّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (( 65) .

ب ـ وقال تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم (( 66) .

فالأولى: مدحت وألزمت باتباع الأحسن، والمدح والإلزام علامة الحجية، ويوجبان الجزم بحجية المستحسن بالفتح.

والثانية: يفهم منها: أنّه سبحانه وتعالى مدح أناسًا تعرض عليهم قضايا فيها الحسن والأحسن، فيختارون الأحسن.

ويرد على هذا الاستدلال بـ:

1 ـ إنّ الآيتين استعملت لفظ"الأحسن"بمفهومه اللغوي، وهذا لا علاقة له بالاصطلاح المتأخر، فالآيتان أجنبيتان عنه.

2 ـ إنّ المجال في أحسنية حكم على حكم يعني: الإطلاع على الملاكات، ولا سبيل للعقل على ذلك، بل يقدم الأهم على المهم.

3 ـ إنّ الآية الأولى وإن مدحت المستمعين إلاّ أنها افترضت أن هناك أقوالًا بعضها أحسن من بعض، فإذا كانت صادرة من الشارع فالأهمية بكونها أحسن هو من شؤون الكتاب والسنة (67) .

4 ـ إنّ التأمل في سياق الآية الثانية لا يبقي مجالًا لتقديم الأهم على المهم، وإنّما استعملت لفظ التفضيل لتعم الصفة على كلّ ما أنزل منه تعالى، أو تحبذ التوبة بقرينة ذكر العقاب.

5 ـ إنّ الآيتين أجنبيتان عن حجية الاستحسان، ولو بدلت لفظة"الأحسن"بلفظة"أنهم يعملون بالاستحسان في مجالات الاستنباط"لا يستقيم المعنى بحال (68) .

ورد الغزالي على هذا الاستدلال بالآية: (قلنا اتباع أحسن ما أنزال الينا هو ابتاع الأدلة، فبينوا لنا أن هذا مما أنزل الينا، فضلًا عن أن يكون أحسنه) (69) وهو بهذا يتحدث عن قاعدة تقول:"إنّ القضية لا تثبت موضوعها"فالآية لا يمكن أن تعين الاستحسان

نفسه مما أنزل أو مما لم ينزل.

وأجاب الغزالي بجواب آخر قائلًا: (لا يلزم عن ظاهر هذا اتباع استحسان العامي والطفل والمعتوه لعموم اللفظ، فإن قلتم: المراد به: بعض الاستحسانات وهو استحسان من هو أهل للنظر فكذلك نقول: المراد: كلّ استحسان صدر عن أدلة الشرع، و إلاّ فأي وجه لاعتبار أهل النظر في الأدلة مع الاستغناء عن النظر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت