الصفحة 7 من 17

المحال أن يكون الحق فيما استحسنا دون برهان؛ لأنه لو كان ذلك لكان الله تعالى يكلفنا مالا نطيق، ولبطلت الحقائق) (59) .

أما الشوكاني من الزيدية قال بعد أن ناقش أدلة الاستحسان: (بمجموع ما ذكرنا: إنّ ذكر الاستحسان في بحث مستقل لافائدة منه أصلًا؛ لأنه إنّ كان راجعًا إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار، وإن كان خارجًا عنها فليس من الشرع في شيء، بل هو من التقول على هذا الشريعة بما لم يكن فيها تارة، وبما يضادها أخرى) (60) .

والمعروف هنا: أن هذه السبل كلها تنبع من عنصر"الرأي"، وقد نشط في المائة الثانية للهجرة، وقوي حتّى عاد رابع الأصول الثلاثة: الكتاب والسنة، والإجماع، وقد بالغوا فيه حتّى قدموه على الإجماع أحيانًا، بل رويت به بعض الأحاديث، أو أولت به الآيات (61) . (ومن الطبيعي أن ابن حزم ينفي كلّ أنواع الاستحسان، ماعدا مسألة تقديم أقوى الدليلين، وذلك بحكم مذهبه في التمسك بحرفية النصر، دون التعدي عنها إلى الرأي والاجتهاد) (62) .

أما مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ فقد قاومت الرأي والقياس أيضًا بشدة، وجاءت شتى الأحاديث تناقش العمل به، وترده.

وقد تابعهم على ذلك فقهاء الظاهرية في إنكار الرأي بكل سبله، كما أدت تلك المقاومة والرد إلى أن يتجه أهل الرأي إلى وضع الحدود والقيود التي كادت أن تسد منافذه أحيانًا، أو تقربه مما يعرف لدى مدرسة أهل البيت به"تنقيح المناط"واستظهار

عموم العلة، مما كاد أن يوفق بين المدرستين (63) كما سيتضح فيما بعد.

أما الفريق الثالث: فقد فصل نظرًا لتحديد مفهوم الاستحسان: فإن عرف بأنه (الأخذ باقوى الدليلين) فهو حجة، ولا مانع من الأخذ به، إلاّ أن عده أصلًا في مقابل الكتاب والسنة ودليل العقل لا وجه لرجوعه إليها؛ لأن الأخذ بالأقوى منها أخذ بأحدها لا محالة. وإن عرف بـ (ما يقع في الوهم من استقباح الشيء أو استحسانه من غير حجة ثابتة) فالأخذ به محظور؛ لعدم الدليل على حجيته، والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها (64) .

ولنطرح هذه المحاكمات جانبًا، ونقف أمام الاستحسان بما أراد كلّ فريق، وهل هو أصل من أصول التشريع الإسلامي أم لا؟

المطلب الثالث

أدلة المثبتين

استدل المثبتون للاستحسان بأدلة: بعضها من الكتاب، وبعضها الآخر من السنة، والثالث من الإجماع، والرابع من العقل، ونعرض لهذه الأدلة، ثم نناقشها دليلًا دليلًا وكما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت