منها: أن المشتري لو اشترى سلعةً على أنّه بالخيار ثلاثة أيام ثم مات في أثناء المدة فإن خيار الشرط يورث عند المالكية (49) ، فإن اتفق الورثة على فسخ العقد فسخ، وإن اتفقوا على إمضائه مضى عليهم أجمعين، ولكن لو اختلفوا وقبل من رضي بالإمضاء أن يأخذ نصيب من رد فإن العقد يمضي على البائع استحسانًا؛ وذلك لأن البيع قد بت من جانبه، فلا يهمه من يؤول إليه ما دام وارثًا (50) .
وقد التزم بعض الأولين من تلامذة مالك وأبي حنيفة بالاستحسان ودافعوا عنه، وتبعهم بعض المتأخرين فقالوا: إنّ أبا حنيفة أجل قدرًا وأشد ورعًا من أن يقول في الدين بالتشهي.
ثم قالوا: إنّ المخالفين لا ينكرون على أبي حنيفة الاستحسان بالأثر أو بالإجماع أو بالضرورة؛ لأن ترك القياس بهذه الدلائل مستحسن بالاتفاق، وإنّما أنكروا عليه الاستحسان بالرأي فإنه ترك للقياس بالتشهي (51) .
ومن خلال العبارات السابقة يمكن فهم الحقيقة التالية: أن الاستحسان المبتني على
مجرد الميل النفسي عند المجتهد ـ وهذا الميل انتزعه من عدة أدلة وإن لم يكن لمجموعها جامع واحد ـ فهذا بحد ذاته لا يشكل لنا أصلًا ودليلًا مستقلًا قائمًا بذاته.
أما إذا كان ناشئًا من نفس الميل الشخصي غير المعتمد على الدليل الشرعي فهو كما قال الشافعي: تشريع محض وتشهي.
وأما إذا كان الميل ناشئًا من ترجيح أحد الدليلين فهذا يكون مندرجًا تحت مباحث الألفاظ، ومتداخلًا في بقية المصادر الأخرى: كالسنة مثلًا، ولا يتولد منه أصل تشريعي.
الفريق الثاني: الفريق المنكر للاستحسان، فهو لا يعترف بحجيته، ويظم هذا الفريق الشافعية والظاهرية والمعتزلة وفقهاء الشيعة قاطبة (52) .
فقد نقل أن الشافعي قال: (من استحسن فقد شرع) (53) . وجاء في الرسالة للشافعي: (أن حرامًا على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر) . وفي مقام آخر يقول: (إنّ حلال الله وحرامه أولى أن لا يقال فيه بالتعسف ولا الاستحسان أبدًا، إنّما الاستحسان تلذذ، ولا يقول فيه إلاّ عالم بالأخبار، عاقل بالتشبيه عليها) (54) .
وقد خصص الشافعي فصلًا من كتابه"الأم"لإبطال الاستحسان، وقال: (الاستحسان باطل) (55) .وقال في الرسالة: (وإنّما الاستحسان تلذذ، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كلّ باب، وأن يخرج كلّ أحد لنفسه شرعًا) وقد اعتبره الغزالي في ميدان التشريع هوسًا؛ لأنه خلط ووهم وخيال (56) .
لكن الآمدي يقول:(إنّ الشافعي قد أخذ بالاستحسان واعتبره مصدرًا من
مصادر التشريع الإسلامي) (57) .
وقال ابن حزم الظاهري: (الحق حق وإن استقبحه الناس، والباطل باطل وإن استحسنه الناس، فصح أن الاستحسان شهوة واتباع للهوى وضلال، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان) (58) . وقال أيضًا: (من