الصفحة 10 من 17

وجوابه: أن ثبوته كان بالأدلة المتفق عليها بأنها حجة؛ لأنه:

إما أن يثبت بالأثر: كالسلم والإجارة، وعدم فساد صوم من أكل ناسيًا.

وإما بالإجماع: كالاستصناع عند من يقول به.

وإما بالضرورة: كطهارة الحياض والآبار بعد تنجسها.

وإما بالعرف: كرد الأيمان إلى العرف.

وإما بالمصلحة: كتضمين الأجير المشترك (74) .

ولكن الرد على مثل هذا الاستدلال أيضًا سهل، فإنه كيف يعتبر ما سمي هنا"بالعدل"دالا على علة العدول وهو الاستحسان؟

إنّ هذا الدليل لا يعرض إلاّ سنة جرى عليها الشارع، وهو بيان بعض العمومات، ثم المجيء بمخصص يكشف عن أن العموم لم يكن من قبل على سعته، وهل هذا إلاّ العمل بالسنة المخصصة؟ وأين هو من جعل الاستحسان أصلًا في قبال الأصول؟ (75) .

ثالثا: أدلتهم من الإجماع:

استدلوا بإجماع الأمة: وهو أن يترك القياس في مسألة لانعقاد الإجماع على غير ما يؤدي إليه؛ وذلك كانعقاد إجماع المسلمين على صحة عقد الاستصناع، فإن القياس كان يوجب بطلانه؛ لأن محل العقد معدوم وقت إنشاء العقد.

ويستدل أيضًا على الأخذ بالاستحسان: دخول الحمام، وشرب الماء من أيدي السقائين، من غير تقدير لزمان المكث، وتقدير الماء والأجرة.

والعمل يدل عليه في كلّ الأزمان على صحته، وتعارفوا على عقده، فكان ذلك إجماعًا أو عرفًا عامًا يترك به القياس، وكان عدولًا عن دليل إلى أقوى منه.

ورد هذا الاستدلال: أن هذا الإجماع لو صح وجوده فهو قائم على هذه الإحكام بالخصوص، لا على استحسانها، فضلًا عن قيامها على كلّ استحسان، ولا أقل من اقتصاره على هذه المواد بحكم كونه من الأدلة اللبية التي يقتصر فيها على القدر المتيقن.

ولكن الظاهر أن مثل هذا الإجماع لا أساس له، وإنّما قامت السيرة على هذه الأحكام،

وهي مستمرة على جريان ذلك إلى زمن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ مع علمه به وتقريره لهم عليه (76) .

المطلب الرابع

أدلة النافين للاستحسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت