فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 55

وهذا الفساد يغيظ الصالحين، فيغارون على حرمات الله فيحاولون تغيير المنكر، فلا يجدون قناة شرعية تمكنهم من تغيير المنكر، فيضطرون إلى أساليبت مندفعةٍ تجعل المجتمع أطرافًا متصارعةً متناحرةً.

ونماذج ذلك في المجتمعات الإسلامية غير قليلةٍ فمن ذلك ما نشرته بعض الصحف من أخبار منذ عدة سنوات عن إندونيسيا التي يشيع فيها كثير من المنكرات - شأن كثير من البلاد الإسلامية - تقول هذه الأخبار أن هناك مجموعة من الناس غير معروفة تتصيد المجرمين خفيةً وتقضي عليهم، أي إذا وجدوا إنسانًا يقوم - مثلًا - على بيت دعارة أو على أي منكر علني فإنهم يقتلونه ولا تعجب من مثل هذا في بلادٍ يسكنها نحو مائةٍ وخمسين مليونًا من المسلمين وتكون عطلتهم الرسمية يوم الأحد.

ومن ذلك ما يجري من بعض الغيورين في مصر - مثلًا - من إنكار بعض المنكرات بصورة حماسية، فقد أعلن مثلًا في جامعة أسيوط عن حفلٍ غنائي مختلطٍ، فقام عدد من الطلاب ضد هذا المنكر، ودخلوا مكان الحفل بالقوة، وحطموا الآت الفسق، ومنعوا إقامة الحفل في تلك الليلة.

وغير أولئك المتحمسين المندفعين ينظر إلى ذلك التصرف على أنه شغب وإخلال بالأمن.

ولو وجد أولئك الغيورون سبيلًا شرعيًا للإنكار لم يلجا أحد منهم إلى مثل هذه الطرق، ولكن سدت أمامهم المنافذ الصحيحة وأوصدت دونهم الأبواب، فركبوا تلك المراكب الصعبة وهم يقولون:

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها

وقد كانوا - لا شك - عن ذلك في سعةٍ ولهم عنه مندوحة. ومن صور التفرق والتمزق التي تحدث في المجتمع بسبب ترك هذه الشريعة أن تتفشى بين الناس منكرات القلوب من الغل والحقد والحسد والبغضاء والتناحر وما يترتب على اختلاف القلوب من اختلاف التوجيهات والآراء والأعمال والأقوال بحيث إن المجتمع يهدم بعضه بعضًا ويدمر نفسه بيديه.

فهذه من أعظم المنكرات التي يجب إنكارها والتحذير منها، وسكوت العالمين والمعلمين عنها سبب في انتشارها ورسوخها وصعوبة الخلاص منها.

ثم إن المنكر إنما صار منكرًا، ونهى الله - تعالى - عنه لما فيه من الخبث والضرر العاجل والآجل، فالمعاصي وبال على الأفراد والمجتمعات وسبب لتمزقها وتشتتها .. ثم انهيارها وزوالها، فالنهي عنها سياج حماية الأمة من آفات الضعف والتخلخل والضياع , والسكوت عليها دليل أكيد على غياب معايير النقد الصحيح والتوجيه البناء وهو تواطؤ آثم مع القوى الشريرة التي تريد بالأمة سوءً ا، وتسعى لهدم قلاع الخير والفضيلة والصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت