2.إن كثرة الخبث تؤذن بالعذاب الإلهي العام والهلاك الشامل كما دل على ذلك حديث زينب المذكور آنفًا، الذي نقل عن جماعةٍ من الصحابة، مما يدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر.
ولقد بوب الإمام مالك في الموطأ على هذا الحديث بابًا سماه: (باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة) وساق تحت هذا الباب أثرًا عن عمر بن عبدالعزيز، وهو قوله رحمه الله: كان يقال إن الله - تبارك وتعالى - لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلهم (1) .
وهذا الأثر يدعم ما سبق ذكره من خطورة الإعلان بالمعصية ومن وجوب التفريق بين المنكر المختفي والمنكر الظاهر.
وقد قص الله - عز وجل - علينا خبر بني إسرائيل حين نهاهم أن يعدوا في السبت ولنا في تلك القصة عبرة (( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيسٍ بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردةً خاسئين ) ) (سورة الأعراف 164 - 166) .
إذن فقد أنجى الله تعالى الذين ينهون عن السوء فقط، وأما البقية فقد عذبهم كلهم. هذه سنته - سبحانه - في كل أمة يحق عليها العذاب.
(1) رواه البخاري (3168) و مسلم (2880) .
فإن لم يكن في الأمة من ينهى عن السوء والفساد فلا نجاة لأحد منها (( فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلًا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفو فيه ) ) (سورة هود 116) .
وفي حديث جرير الذي رواه أبو داود: (( ما من رجل يكون في قومٍ يعمل فيهم المعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه، فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا ) ) (2)
إن وجود المصلحين في الأمة هو صمام الأمان لها، وسبب نجاتها من الإهلاك العام، فإن فقد هذا الصنف من الناس؛ فإن الأمة - وإن كان فيها صالحون - يحل عليها عذاب الله كلها صالحها