ولقد غطى الجهل وقلة الدين على قلوب بعض السطحيين، فاغتروا بإمهال الله عز وجل فظنوا أن تحذير الغيورين من مغبة التمادي في المنكر، ومن عقبى السكوت عن إنكاره، ظنوا ذلك ضربًا من ضروب الإرهاب الفكري والتخويف المبالغ فيه، وليس له حقيقة.
لكن الذين يستنيرون بنور الوحي، ويتأملون نصوص الكتاب والسنة، يدركون تمام الإدراك العقوبات العظيمة التي سنها الله في حق كل أمة تخلت عن التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر سواء كانت تلك النصوص حكايةً لمصائر الأمم التي فرطت في تلك الشعيرة، أو وعيدًا لمن سلك سبيلها وليس من الضروري أن تظهر هذه العقوبات بين يومٍ وليلةٍ، فإن الذي يحدد زمانها ومكانها وصفتها هو الله - عز وجل - وليس استعجال البشر أو استبطاءهم.
وتلك العقوبات والآثار السيئة كثيرة ومتنوعة، لكن من أظهرها:
1.كثرة الخبث:
روى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش رضي الله عنها (( أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه فزعًا وهو يقول:"لا إله إلا الله. ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا - وحلق بين إصبعيه السبابة والإبهام -". فقالت له زينب رضي الله عنها: يارسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث."(1) "
إن المنكر إذا أعلن في مجتمع ولم يجد من يقف في وجهه؛ فإن سوقه تقوم وعوده يشتد وسلطته تظهر ورواقه يمتد ويصبح دليلًا على تمكن أهل المنكر وقوتهم , وذريعةً لاقتداء الناس بهم وتقليدهم إياهم وما أحرص أهل المنكر على ذلك ولهذا توعدهم الله جل وعلا فقال (( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ) ) (سورة النور 19)
فإذا قلد بعض الناس أهل المنكر والزيغ في منكرهم؛ أخذ الباطل في الظهور، وهان خطبه شيئًا فشيئًا في النفوس، وسكت الناس عنه وشغلوا بما هو أعظم منه، وما تزال المنكرات تفشو، حتى يكثر الخبث، ويصير أمرًا عاديًا مستساغًا، تألفه النفوس، وتتربى عليه.
وينحسر - بالمقابل - المعروف والخير ويصبح هو المستغرب , ولذلك قال الخليفة الملهم عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - في كتاب إلى أمير المدينة الذي يأمره فيه بأن يأمر العلماء بالجلوس لإفشاء العلم في المساجد: (( وليفشوا العلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا ) ).
إنها لعقوبة كبيرة أن يهيمن المنكر، ويصبح المعروف غريبًا لكن .. هل يقف الأمر عند هذا الحد؟ إليك الإجابة: