الصفحة 11 من 21

من الأجور ما يكفي لشراء عقار اشتروا به عقارًا جديدًا، وحالوا بذلك دون حولان الحول عليها إن كانوا بخلاء على أنفسهم، أو ينفقونها بإسراف، ويعيشون بها حياة المترفين دون زكاة، كما تقدم ذكره في المثال الأول من المتناقضات.

على أنه وجد من الفقهاء السابقين من رأى خلاف رأي الجمهور في العقار المأجور، فأوجب فيه الزكاة في قيمة عينه مع أجرته كل عام بنسبة ربع العشر كالعروض التجارية، إلحاقًا له بها، باعتبار أن إيجاره لاستغلاله كالتجارة به. وإلى هذا الرأي ذهب الهادوية من الشيعة الزيدية تبعًا لإمامهم الهادي، وبه قال العلامة ابن عقيل من فقهاء المذهب الحنبلي من أهل السنة. وكلا الفريقين عمم ذلك على كل ما يستغل بالإيجار من الأشياء والدواب، ولم يقصروه على العقار كما نقله الأستاذ القرضاوي (1/ 467) .

ويبدو لنا أن القول بأن العقار المأجور وسائر المأجورات تخضع للزكاة وإن لم تكن أعيانها محل التجارة هو في ذاته تفقه سليم، ولا محيص عنه، إذا نظرنا إلى الموضوع بمقياس مقاصد الشريعة. ولكن قياس هذه المأجورات على عروض التجارة في طريقة تزكيتها، بأن تزكى بنسبة ربع العشر من قيمة الأصل مع الأجور كلما حال عليها حول، هو قياس مع الفارق الكبير بينهما، وفيه غلو وإرهاق للمكلف، وعسر في التطبيق. فعروض التجارة تستثمر ببيع أعيانها استرباحًا، وتحل أثمانها محلها لتدور جميعًا دورات جديدة في الاسترباح .. وهكذا في مدى كل عام. فتنمو بها أصيلة التاجر أي رأس ماله، فتتضاعف قدرته المالية التي بدأ بها أضعافًا مع الزمن. أما الشيء المأجور فأصله ثابت لا يخرج من ملك صاحبه بالمبادلة ولا ينمو بل يتناقص بالاستعمال، ولكنه يعطي غلة. فهو أشبه بالأرض الزراعية التي تزرع، فهي ثابتة لا تزيد مساحتها ولكنها تعطي غلة. وهذه نقطة مفارقة جوهرية لا يستقيم معها القياس.

وقد ناقش وانتقد الأستاذ القرضاوي قياسها ذاك على عروض التجارة مناقشة قوية من وجوه عديدة أخرى وجيهة، وانتهى إلى أن الصواب قياسها على الأرض الزراعية، فتؤخذ الزكاة من أجرتها حين حصولها في يد المالك المؤجر دون انتظار لحولان الحول عليها.

وهذا ما كنا انتهينا إلى تقريره في الحلقة الاجتماعية التي عقدتها الجامعة العربية في دمشق سنة 1952م، وحاضر فيها عن الزكاة كبار فقهاء العصر، منهم الشيخ محمد أبو زهرة والشيخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت