الصفحة 13 من 103

إذن فالتوبة يجب أن يتبعها إصلاح وصلاح؛ ذلك أن الحسنات يُذهبن السيئات، والحق سبحانه غفور لا يعاقب على ذنب تاب عنه العبد، ورحيم لأنه يثيب على الفعل الحسن، بل إنه يثيب الإنسان الذي يكرر ندمه على فعل سيء، ويكتب له عن ذلك حسنة، بل إنه بسعة رحمته يبدل سيئاته حسنات. [تفسير الشعراوي]

يا رحمة اللهِ حِلِّي في منازلِنا ... وجاورينا؛ فدتْكِ النفسُ من جارِ

من أسماء الله تعالى: الرحمن الرحيم:

قال العلامة السعدي - رحمه الله:[الرحمن الرحيم: اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل مخلوق، وكتب الرحمة الكاملة للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة المتصلة بالسعادة الأبدية، ومن عداهم محروم من هذه الرحمة الكاملة، لأنه الذي دفع هذه الرحمة وأباها بتكذيبه للخبر وتوليه عن الأمر فلا يلومن إلا نفسه.

ومن تدبر اسمه"الرحمن"، وأنه تعالى واسع الرحمة، له كمال الرحمة، ورحمته قد ملأت العالم العلوي والسفلي وجميع المخلوقات، وشملت الدنيا والآخرة .. ويتدبر الآيات الدالة على هذا المعنى كقوله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف:156] ، (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [البقرة:143] ، (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى) [الروم:50] .

ويتلو سورة النحل الدالة على أصول النعم وفروعها التي هى نفحة وأثر من آثار رحمة الله، ولهذا قال في آخرها: (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) [النحل:81]

ثم تدبر سورة الرحمن من أولها إلى آخرها؛ فإنها عبارة عن شرح وتفصيل لرحمة الله تعالى، فكل ما فيها من ضروب المعاني وتصاريف الألوان من رحمة الرحمن؛ ولهذا اختتمها في ذكر ما أعد الله للطائعين في الجنة من النعيم المقيم الكامل الذي هو أثر من رحمته تعالى؛ ولهذا يسمي الله الجنة الرحمة كقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [آل عمران:107] . وفي الحديث أن الله قال للجنة:"أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" [متفق عليه]

وبالجملة فالله خلق الخلق برحمته، وأرسل إليهم الرسل برحمته، وأمرهم ونهاهم وشرع لهم الشرائع برحمته، وأسبغ عليهم النعم الظاهرة والباطنة برحمته، ودبرهم أنواع التدبير وصرفهم بأنواع التصريف برحمته، وملأ الدنيا والآخرة من رحمته فلا طابت الأمور، ولا تيسرت الأشياء، ولا حصلت المقاصد، وأنواع المطالب إلا برحمته، ورحمته فوق ذلك، وأجل وأعلى. وللمحسنين المتقين من رحمته النصيب الوافر والخير المتكاثر: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف:56] ] [تفسير أسماء الله الحسنى]

[والرحمة تامة وعامة؛ أما الرحمة التامة فهي إفاضة الخير على المحتاجين وإرادته لهم عناية بهم، والرحمة العامة هي التي تتناول المستحق وغير المستحق، ورحمة الله عز وجل تامة وعامة. أما تمامها فمن حيث أنه أراد قضاء حاجات المحتاجين وقضاها، وأما عمومها فمن حيث شمولها المستحق وغير المستحق، وعم الدنيا والآخرة، وتناول الضرورات والحاجات والمزايا الخارجة عنهما فهو الرحيم المطلق حقا.

والرحمن أخص من الرحيم ولذلك لا يسمى به غير الله عز وجل. والرحيم قد يطلق على غيره فهو من هذا الوجه قريب من اسم الله تعالى الجاري مجرى العلم، وإن كان هذا مشتقا من الرحمة قطعا؛ ولذلك جمع الله عز وجل بينهما فقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الإسراء:110] فيلزم من هذا الوجه أن يكون المفهوم من الرحمن نوعا من الرحمة هي أبعد من مقدروات العباد؛ وهي ما يتعلق بالسعادة الأخروية. فالرحمن هو العطوف على العباد بالإيجاد أولا، وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانيا، وبالإسعاد في الآخرة ثالثا، والإنعام بالنظر إلى وجهه الكريم رابعا.

واعلم أن حظ العبد من اسم (الرحمن) أن يرحم عباد الله الغافلين، فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله عز وجل بالوعظ والنصح؛ بطريق اللطف دون العنف، وأن ينظر إلى العصاة بعين الرحمة لا بعين الإزراء، وأن تكون كل معصية تجري في العالم كمصيبة له في نفسه؛ فلا يألو جهدا في إزالتها بقدر وسعه؛ رحمة لذلك العاصي أن يتعرض لسخط الله ويستحق البعد من جواره. وحظه من اسم (الرحيم) أن لا يدع فاقة لمحتاج إلا يسدها بقدر طاقته، ولا يترك فقيرا في جواره وبلده إلا ويقوم بتعهده ودفع فقره؛ إما بماله أو جاهه، أو السعي في حقه بالشفاعة إلى غيره .. فإن عجز عن جميع ذلك فيعينه بالدعاء وإظهار الحزن بسبب حاجته رقة عليه وعطفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت